أبي منصور الماتريدي

574

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والثالث : ما قاله أهل التأويل : ثم رددناه [ إلى ] « 1 » أرذل العمر وأسفله « 2 » ، [ ثم استثنى إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا . . . إلى آخره ] « 3 » ، أي : يجري عليهم ثواب أعمالهم التي عملوا بها في حال صحتهم وشبابهم ، فأمّا أولئك فإنهم إذا ردوا إلى ما ذكر ، لم يجر لهم ذلك ؛ وهذا التأويل إنما يصح ، أن لو استثنى المحسنين من المؤمنين منهم ، فأما إذا استثنى أهل الإيمان من أهل الكفر فإنه لا يحتمل ، والأول أشبه . وقوله - عزّ وجل - : فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ : إن كان الخطاب [ به ] « 4 » لكل إنسان كذب بالدين ، يقول : ما الذي دعاك إلى تكذيبك بالدين ؟ وقد عرفت أن الله - تعالى - أحكم الحاكمين ، لا يفعل إلا ما هو حكمه ، ولو لم يكن يوم الدين كان فعله عبثا باطلا ؛ لأنه أنشأكم ، ثم رباكم إلى أن بلغتم إلى الحال التي بلغتم ، فلو لم يكن بعث ، لكان يخرج فعله عبثا باطلا . أو يقول : لما سوى بين من اختار ولايته وبين من اختار العداوة في هذه الدنيا ، وفي الحكمة التفريق بينهما ؛ فلا بد من مكان يفرق بينهما هنالك . وإن كان الخطاب في قوله : فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يقول : أي حجة له في تكذيبك بما تخبره من « 5 » الدين ؟ أي : لا حجة له في ذلك . أو يقول : ما الذي دعاه إلى تكذيبه بالدين بعد ما عرف أني « 6 » أحكم الحاكمين ؟ ! . ثم اختلف في قوله : بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ : قال بعضهم : أحكم القاضين ، أي : أعدلهم . وقال بعضهم : أحكم الحكماء ، والإفناء بلا بعث فعل السفهاء ، لا فعل الحكماء ، وهو أحكم الحاكمين ، أي : أعدل القاضين في التفريق بين [ الأولياء والأعداء ] « 7 » ، وقد اجتمعوا في الدنيا ؛ فلا بد من دار يفرق بينهما فيها ، والله الموفق . * * *

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : أسفلها . ( 3 ) في ب : ثم استثنى إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : في . ( 6 ) في ب : أنه . ( 7 ) في ب : الأعداء والأولياء .