أبي منصور الماتريدي
565
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لكن يعرف ذلك من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بطريق الحقيقة ، ويظهر منه ذلك باليقين ، فأما من غيره فإنما يعرف التجافي من دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود بالتقارب ، وغالب الظن ؛ لأن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كانت له الآخرة لا محالة ، وأمورها كالمشاهدة والمعاينة ، وكذلك جميع الأنبياء والرسل - عليهم السلام - فأما لغيرهم فلا نحكم بذلك ؛ فلا يبلغ ذلك ، وهو كما ذكر أن رؤيا الأنبياء كالعيان ، أي : تعرف بطريق اليقين ، بخلاف رؤيا غيرهم . وقال بعضهم : شرح صدره ؛ لأنه لما كلف بتبليغ الرسالة إلى الجن والإنس وإلى الفراعنة والجبابرة الذين همتهم إهلاك من يخالفهم ، والإقلاع عن عبادة من يعبد الله ضاق صدره لذلك ، وثقل على قلبه ؛ فوسع الله صدره وشرحه حتى هان ذلك عليه وخف ، وهو قول أبي بكر الأصم ، إلا أنه يقول : فعل ذلك به ، وحقق « 1 » بالآيات والحجج ، ونحن نقول باللطف منه ، حتى قام بوفاء ما كلف وأمر ، أما هو لا يقول باللطف والاختصاص [ للبعض دون البعض ؛ لقوله ] « 2 » بالأصلح . ويحتمل أن يكون ما ذكر من شرح صدره وتوسيعه هو ما ذكر في قوله : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 4 ] ، وخلقه كان يجاوز وسعه وطاقته ؛ حتى كادت نفسه تهلك لمكان كفر أولئك ، وما يعلم أنه ينزل بهم ؛ إشفاقا عليهم ، ورحمة ، كقوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ الآية [ الشعراء : 3 ] وقوله : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ . . . الآية [ هود : 12 ] ، وغير ذلك من أمثال هذا ، وذلك - والله أعلم - ما وصف من خلقه أنه عظيم ، فوسع صدره وشرحه حتى يخفف ذلك عليه ؛ حيث قال له : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ . . . [ فاطر : 8 ] ، وقال : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [ الآية ] « 3 » [ الحجر : 88 ] . وقال الحسن في قوله : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ : بلى ، قد شرح له صدره ، وملأه علما وحكمة . ثم قوله : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ إلى [ آخر ] ما ذكر ، إن كان المخاطب به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو المعنى والمراد به ، فتأويل السورة يخرج على ما ذكرنا من تيسير « 4 » الأمر عليه ،
--> ( 1 ) في ب : وخفف . ( 2 ) في ب : للبعض كقوله . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : تبيين .