أبي منصور الماتريدي
553
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الهدى ، الذي هو ضد الكفر ومقابله . فأما على إرادة البيان ؛ فكأنه قال : إن علينا غاية البيان في حق الحكمة والعدل فيما يمتحنون ، حتى إن كان التقصير والتفريط فإنما يكون من قبل أنفسهم ، لا من قبل الله تعالى ، أي : يبين لهم كل شيء غاية البيان ونهايته ؛ لتزول الشبهة عنهم ، والله أعلم . ويحتمل وجها آخر ، وهو أن يقول : إن علينا هداية من استهدانا « 1 » واجتهد في طلبها ؛ كقوله : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . ووجه آخر : إن علينا إنجاز ما وعدنا على الهدى لمن اهتدى واختاره يخرج تأويل الآية على إرادة البيان من الوجوه التي ذكرنا . وأما على إرادة حقيقة الهدى الذي هو مقابل الكفر ؛ فكأنه قال : إن علينا التوفيق والمعونة والعصمة في حق الإحسان والإفضال ، لا على أن ذلك عليه لهم . وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - : « إن علينا بيان ما للآخرة والأولى ؛ كيلا يزول عن قصد الطريق ؛ فيهلك نفسه في كل مضيق » . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى : فهو يخرج على وجهين : أحدهما : يقول - والله أعلم : إنكم تعلمون أن لنا الآخرة والأولى ، وليس لما تعبدون من الأصنام والأوثان [ لا آخرة ولا أولى ] « 2 » ، فكيف صرفتم عبادتكم عمن له الآخرة والأولى إلى من ليس له [ الآخرة والأولى ] « 3 » ، على علم منكم بذلك ؟ يسفههم في اختيارهم عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى . والثاني : يقول - والله أعلم - : إن لنا الآخرة والأولى ؛ فما بالكم تبخلون بالإنفاق على أنفسكم ، وما يرجع منفعته إليكم ، بما ليس لكم في الحقيقة ، وإنما هو لله تعالى ؟ ! وهذا التأويل صلة قوله - تعالى - : وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى . . . الآية [ الليل : 8 ] ، والأول يكون صلة قوله : إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى . وقوله - عزّ وجل - : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ، أي : نارا تتوقد ، وتتلهب ، أو تتشعب « 4 » ، على ما ذكر من صفتها . ثم ذلك الإنذار يكون للفريقين : لأهل التوحيد ، ولأهل الشرك جميعا ، والله أعلم .
--> ( 1 ) في أ : استمر . ( 2 ) في أ : الآخرة والأولى . ( 3 ) في ب : ذلك . ( 4 ) في ب : تنبعث .