أبي منصور الماتريدي

544

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ [ النور : 21 ] ، وقال - تعالى - : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ . . . [ يونس : 58 ] ، فبين الله - تعالى - أنه هو الذي تفضل بتزكية من زكا . وجائز أن يصرف إلى العبد ؛ فيكون قوله : زَكَّاها ، أي : صاحبها ، وكذلك قوله : وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها يحتمل هذين الوجهين ؛ فيكون الله - تعالى - هو الذي أنشأ فعل الضلال ؛ فيكون الفعل من حيث الإنشاء من الله تعالى ، ومن حيث العمل « 1 » من العبد . ثم قوله : مَنْ دَسَّاها ، أي : أخفاها ، وإخفاؤها « 2 » : أنه صيرها بحيث لا تذكر في المحافل إلا بالذم ، وزكى الأخرى ، أي : أظهرها حتى ينظر إليها الناس بعين التبجيل والتعظيم . وهكذا شأن المتقي أن يكون مبجلا معظما فيما بين الخلق ، والفاجر يعيش مذموما مهانا فيما بين الخلق . أو يرجع الإظهار والإخفاء إلى الآخرة : فيجلّ قدر المتقي المزكي ، ويخمل ذكر الفاجر . وقوله - عزّ وجل - : دَسَّاها من « دسّست » ، فأسقط السين ، وأبدل مكانها الياء . ثم الإضافة في قوله : دَسَّاها إلى الله - تعالى - على خلق ذلك الفعل منه ، وفي قوله : مَنْ زَكَّاها على التوفيق . قوله تعالى : [ سورة الشمس ( 91 ) : الآيات 11 إلى 15 ] كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ( 11 ) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها ( 12 ) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها ( 13 ) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها ( 14 ) وَلا يَخافُ عُقْباها ( 15 ) وقوله - عزّ وجل - : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها : ولم يبين لمن كذبوا ، وقد بينه في آية أخرى فقال : كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء : 141 ] . وقوله - عزّ وجل - : بِطَغْواها يحتمل وجهين : أي : لأجل معصيتها وطغيانها ؛ إذ الحامل لهم على التكذيب طغيانهم وتركهم التفكر في أمره ؛ وإلا لو تفكروا فيما جاءهم به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم [ لم يجدوا ] « 3 » موضع التكذيب . والثاني : بأهل طغواها ، أي : كذبت ثمود بسبب أهل الطغيان ؛ فيكون في هذه الآية

--> ( 1 ) في ب : الفعل . ( 2 ) في ب : وإحصاؤها . ( 3 ) في ب : لم يكون يجدون .