أبي منصور الماتريدي
535
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أي : بينا له ما عليه ، وما له ، وما يحمد عليه ، وما يذم ، وما يقبح ويجمل ، والنجد : الطريق ، فبين [ للخلق ] « 1 » الطريقين جميعا : طريق الخير والشر ، ومكنهم من الفعلين جميعا . وقال بعضهم « 2 » : النجدان : الثديان ، أي : هديناه الثديين في حالة الإرضاع . ولكن التبيين والهداية لم ينصرف إلى هذا خصوصا ، بل هذا من بعض ما هداه وبينه ، فقد بين له غيره من الأمور ، ولا قيد في اللفظ ؛ فيحمل على الإطلاق والعموم . قوله تعالى : [ سورة البلد ( 90 ) : الآيات 11 إلى 20 ] فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ( 15 ) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ( 16 ) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ( 17 ) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 18 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ ( 19 ) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ ( 20 ) وقوله - عزّ وجل - : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ : قيل : فيه من وجهين : أحدهما : فهلا اقتحم العقبة . والثاني : أنه لم يقتحم . فإن كان على الأول ، فمعناه : أن الذي قال : أنفقت مالا لبدا ، كيف لا كان إنفاقه في فك الرقبة ، وفي الإنفاق على اليتيم والمسكين الذي بلغ به الجهد إلى أن ألصق « 3 » بالتراب ؟ ويكون من جملة من آمن بالله - تعالى - وتواصى بالصبر والمرحمة ؛ ليكون من أصحاب الميمنة ، ويكسب بذلك الحياة الطيبة في الآخرة دون أن تكون العاقبة في الملاهي وشهوات النفس ؛ فلم يحصل لنفسه حمدا ولا أجرا في العقبى ، بل صار من أصحاب المشأمة ، فيكون ما بعد قوله : أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً [ البلد : 6 ] صلة له وتفسيرا . وإن كان التأويل على النفي ، ففيه تكذيبه فيما زعم أنه أنفق مالا لبدا ، فيقول : لو كان على ما يظن ، لظهر ذلك ، بفك الرقاب والمواساة على اليتيم وعلى المسكين الذي هو ذو متربة ؛ فيكون هذا كله صلة قوله - عزّ وجل - : أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً أيضا . ثم قيل في العقبة من وجهين :
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 37306 ) ، وعبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم من طرق عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 595 ) . ( 3 ) في ب : لصق .