أبي منصور الماتريدي

521

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

نفسه ؛ بل الدنيا دار عمل ، وللجزاء بالكفر والإيمان دار أخرى ، وهذا كقوله : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [ المنافقون : 1 ] ، وهم لم يكونوا كاذبين في شهادتهم ومقالتهم « 1 » ، بل كانوا صادقين أنه رسول [ الله ] « 2 » ، وإن الله - تعالى - يعلم أنه رسوله ، ولكنهم كانوا اعتقدوا تكذيبه في قلوبهم ؛ فكانوا يظهرون خلاف ما أضمروا في أنفسهم ؛ فإلى ما أضمروا انصرف التكذيب ، لا إلى نفس القول ؛ كذا هذا . ولأن أهل الكفر كانوا أصنافا : فمنهم من كان يرى إذا بسط عليه « 3 » النعيم في الدنيا وأكرم فإنما بسط عليه لما استوجبه بفعله ، وإذا ضيق عليه وابتلي بالشدة فإنما ضيق عليه بإساءته وبما كسبت يداه . ومنهم من كان يظن أنه من الله - تعالى - بمنزلة ، وأنه مستوجب للإنعام ، وأنه إذا بلي بضيق العيش وأصابته شدة ، أصابه ذلك من عند محمد عليه الصلاة والسلام ؛ فيتشاءمون به ؛ ألا ترى إلى قوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ [ لنساء : 78 ] ؛ وعلى هذا كان ظن فرعون [ وقومه ] ؛ قال الله - تعالى - : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ [ الأعراف : 131 ] . فقوله : فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ، أي : أكرمه في نفسه بأن أصح جسمه ، أو جعله رئيس قومه ، وَنَعَّمَهُ ، أي : بسط الدنيا عليه : فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ؛ فكان ينظر بذلك . وقوله : وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ أي : إذا اختبره ؛ فضيق عليه رزقه ، فيقول : رَبِّي أَهانَنِ ؛ فكان يظهر بذلك الجزع والله - تعالى - اختبره بالنعم « 4 » ؛ ليستأدي منه الشكر بما أنعم ، وابتلاه بضيق العيش ؛ ليصبر ، لا ليجزع ؛ فلا شكر [ هذه النعم ] « 5 » بل بطر ، ولا صبر على الشدائد ؛ بل جزع ؛ فجائز أن يكون المراد بقوله : كَلَّا ، منصرفا إلى هذا ردا لاعتقادهم وصنيعهم ، وهو أنه لم يكرم ولم ينعم ليبطر به ، ولا ضيق عليه رزقه ليجزع ، بل إنما أنعم ليشكر ، وقدر عليه رزقه ليصبر ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ جائز أنهم كانوا لا يكرمونه ويهينونه مع ذلك ؛ لأن إكرام اليتيم ليس بواجب ، أما إهانته فحرام .

--> ( 1 ) زاد في ب : كاذبين . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : عليهم . ( 4 ) في أ : بالنعيم . ( 5 ) في ب : بالنعم .