أبي منصور الماتريدي
515
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
سورة « 1 » الفجر بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله تعالى : [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 1 إلى 14 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ ( 1 ) وَلَيالٍ عَشْرٍ ( 2 ) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ( 3 ) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ( 4 ) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ( 5 ) أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ( 8 ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ ( 9 ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ( 10 ) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ( 12 ) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ( 13 ) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ( 14 ) قوله - عزّ وجل - : وَالْفَجْرِ . وَلَيالٍ عَشْرٍ كان العرب من عادتهم أنهم إذا استحسنوا شيئا عظموه ، وإذا عظموه أقسموا به . ثم إن الله - تعالى - جعل في الحج وأوقاته لطائف من الحكمة وعجائب من التدبير ، فمن لطيف حكمته وعجائب تدبيره أنه جعل المكان الذي يحج فيه مأمنا للخلق من وجه لا يعرف الخلائق المعنى الذي به وقع الأمن والإلف بين الخلق ؛ حتى رغبوا جميعا في الاجتماع هنالك مع تباغضهم وتعاديهم فيما بينهم من وجه « 2 » لا يدرك معناه ، وجعل أهلها يتقلبون في البلاد آمنين ؛ حتى قال - عزّ وجل - لنبيه - عليه السلام - : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ [ آل عمران : 196 ] [ و ] سخر أهل الآفاق في حمل ما يقع لأهل مكة إليه حاجة من الميرة وغيرها ، وجعلهم بحيث يرغبون في الإتيان إليها مع عظم ما يلزمهم من المؤن في الإتيان إلى مكة للحج ؛ فثبت أن فيها معاني ولطائف هي خارجة عن قواهم وتدبيرهم ؛ فكان في ذكرها ما يوجب القول بالقدرة على البعث ، ويزيل عنهم الشبهة « 3 » في أمرهم ؛ فأقسم لما عظم من شأنها لمكان أنها أوقات الحج ، فعامة « 4 » أركان الحج تؤدى فيها ، وعادة العرب أنهم يقسمون بآبائهم وأجدادهم وأصنامهم ؛ لما هي معظمة عندهم ، وهذه الأشياء معظمة عندهم ؛ فجرى القسم بها ؛ جريا على عادتهم ، ويدخل في أوقاتها الشفع والوتر والفجر ، فقالوا : الشفع : يوم النحر ؛ لأنه اليوم العاشر من الشهر ، والوتر يوم عرفة ؛ لأنه اليوم التاسع . وجائز أن يكون أريد بالشفع والوتر والليل إذا يسر : العبادات جملة إذ ما من عبادة إلا وفيها شفع ووتر .
--> ( 1 ) زاد في ب : و . ( 2 ) زاد في ب : الأرض . ( 3 ) في أ : البشرية . ( 4 ) في أ : فغاية .