أبي منصور الماتريدي

499

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

في الحقيقة نسيان ؛ فكذا سمى جزاء الكيد : كيدا ، لا أن يكون الجزاء كيدا . ووجه آخر : أن الكيد في الحقيقة والمكر هو أن يأخذه من وجه أمنه ؛ فيلحق الكائد اسم الذم ؛ لأنه أخذه من وجه لم يشعر به ، وهذا المعنى في الكيد الذي أضيف إلى الله - تعالى - غير موجود ؛ لأن الله - تعالى - قد بين له الطريق الذي إذا سلكه وقع له به الأمن من الطريق الذي إذا سلكه حل به البوار والهلاك ، فإذا سلك هذا الطريق ، كان سلوكه عن عناد منه ، أو عن ترك الإنصاف من نفسه ؛ فوجد ما يكره من الكيد [ لا من الكائد ] « 1 » ؛ فلم يلحقه بذلك الوصف المعنى المكروه . ثم كيدهم برسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وبالمؤمنين ما ذكر في آية أخرى ، وهو قوله - تعالى - : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [ الأنفال : 30 ] . وقوله - عزّ وجل - : فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ مهل وأمهل لغتان ؛ فكأنه يقول : أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ، ولا تجازهم بصنيعهم ؛ فإن الله - تعالى - يجازيهم بصنيعهم عن قريب ، وقد فعل ذلك بما سلط رسوله صلّى اللّه عليه وسلم بقتلهم وسبيهم ؛ فيكون في هذا بشارة منه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم بالنصر عليهم وبغلبته إياهم ، وفي ذلك آية رسالته ؛ لأنه قال لهم هذا عند قلة أعوانه وضعفه ، ثم إن الله - تعالى - كثر أنصاره وأظهره عليهم كما قال لهم ؛ ليعلموا أنه علم ذلك بالوحي ، والله الموفق . * * *

--> ( 1 ) في ب : لأن من المكائد .