أبي منصور الماتريدي

483

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ومنهم من يقول : الشاهد والمشهود هو الإنسان نفسه ؛ أي : جعل عليه من نفسه شهودا بقوله : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النور : 24 ] . ومنهم من يقول : الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ؛ فسمي يوم الجمعة شاهدا ؛ لأنه هو الذي يشهدهم ويأتيهم ، وسمي يوم عرفة : مشهودا ؛ لأن عرفة اسم مكان ، والناس يأتونها ويشهدونها ، ولا يأتيهم ؛ فعظم شأن عرفة لما يعظمها أهل الأديان « 1 » كلها ، وعظم يوم الجمعة ؛ لأنه يوم عيد المسلمين ، ولكل أهل دين يوم يعظمونه ، فأكرم الله - تعالى - المؤمنين بهذا اليوم ؛ ليعظموه مكان اليوم الذي يعظمه غيرهم من أهل الأديان ، فأقسم بهما . و قوله - عزّ وجل - : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ اختلف في تأويله : فمنهم من صرفه إلى المعذّبين . ومنهم من صرفه إلى المعذّبين . فمن صرف إلى المعذّبين حمل قوله : قُتِلَ على اللعن ؛ أي : لعنوا ؛ كقوله تعالى : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [ الذاريات : 10 ] ، أي : لعنوا . ومن صرفه [ إلى ] « 2 » الذين عذبوا ، حمله على القتل المعروف . ثم اختلف في قصة أولئك الذين عذبوا ؛ فإن كان القسم في الكفرة ، فما ينبغي أن يفسر على وجه من ذلك ما لم يتواتر فيه الخبر عن المصطفى عليه الصلاة والسلام ، بل حقه أن يقتصر على ما جاء به الكتاب ؛ لأن هذه الأنباء حجة لرسالة نبيه - عليه السلام - لأنهم وجدوها موافقة للأنباء المذكورة في كتبهم ، وقد علموا أنه لم يصل إلى تعرفها إلا بالله تعالى ؛ إذ لم يروه يختلف إلى من عنده علم الأنباء ؛ ليصل إلى معرفتها بهم ، فإذا فسرت على وجه أمكن أن يقع فيها زيادة أو نقصان على ما ذكر في الكتاب ؛ فيجدوا به موضع الطعن والقدح ؛ لذلك لم يسع أن يزاد على القدر الذي جرى ذكره في الكتاب إلا من الوجه الذي ذكرنا . وإن كان القسم في المؤمنين ، وسع القول بحمل التأويلات التي ذكرها أصحاب التفسير ؛ لارتفاع المعنى الذي ذكرنا في الكفرة ، والله أعلم . [ ثم في ذكر هذه الأنباء ] « 3 » تقرير رسالته ونبوته - عليه السلام - عند الكفرة ؛ لما ذكرنا

--> ( 1 ) في ب : الأوثان . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : ثم ذكر هذه النبأ .