أبي منصور الماتريدي
477
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
إنسان في نفسه خاصة ، لا على الاقتصار على شخص واحد ؛ لما ذكرنا . ومنهم من قال : إنما أراد بهذا الخطاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ؛ ذكر عن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما - لكن قال ابن مسعود - رضي الله عنه - : لتركبن يا محمد « 1 » . وقال ابن عباس : لتركبن السماء حالا بعد حال « 2 » . فإن كان التأويل على ما ذكره ابن مسعود ، ففيه بشارة له بإسلام قومه ، وإجابتهم له ؛ فيقول : إنهم سيطيعونك ويصيرون لك أنصارا بعد صدهم الناس عن الإيمان وجفوتهم إياك . ومن قال : لتركبن سماء بعد سماء ، فيقول : ذلك ليلة أسري به . والتأويل الأول أقرب ؛ لأن موقع القسم في قوله : لَتَرْكَبُنَّ ، والإسراء لم يكن يعرفه قومه حتى يكون في ذكره دفع الاشتباه عن أولئك القوم ، فأما ظهور الإسلام وعلو النبي على أعدائه فمما يشاهده الناس ؛ فيتحقق في الآخرة ما أخبر النبي - عليه السلام - عن الغيب « 3 » ؛ فيكون تأكيدا لرسالته ؛ فلذلك قلنا : إن الحمل على المعنى الأول أحق ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ الأصل أن كل من اعتقد مذهبا فإنما يعتقده لحجة تقررت عنده ، أو شبهة اعترضت له ، ظنها حجة ، فأما أن يعتقده حراما ، فليس يفعله ، فقال الله تعالى في هؤلاء : فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، أي : أي حجة لهم تمنعهم عن الإيمان بالله - تعالى - وبرسوله ، وتدعوهم إلى الشرك والتدين « 4 » به . ثم قد ذكرنا أن ما خرج مخرج الاستفهام من الله - تعالى - فحقه أن ينظر ما يقتضي ذلك الكلام من الجواب أن لو كان من مستفهم ؛ فيحمل الأمر عليه ، وحق جواب هذا الكلام أن نقول : لا شيء يمنعه عن ذلك ؛ فقوله : فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، أي : لا حجة لهم فيما اختاروا من الشرك ، وإنما يتدينون به تشهيا وتمنيا ؛ فيكون هذا على النفي في أن لا حجة لهم . أو كأنه يخاطب رسوله - عليه السلام - فيقول : سلهم لما ذا لا يؤمنون ؟ وإذا سألهم لم يجدوا لأنفسهم حجة في الإعراض « 5 » عن الإيمان ؛ فيرجع الأمر إلى ابتغاء الحجة أيضا . ثم المعتزلة احتجت علينا بهذه الآية في تثبيتهم القدرة قبل الفعل ، وزعمت أنه لو لم
--> ( 1 ) أخرجه عبد بن حميد ، وابن المنذر ، والحاكم في الكنى ، وابن مندة في غرائب شعبة ، وابن مردويه ، والطبراني عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 550 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) في ب : البعث . ( 4 ) في أ : والتزيين . ( 5 ) في ب : الاعتراض .