أبي منصور الماتريدي

466

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

التقريب بما أجهدوا أنفسهم في الدنيا ؛ للأمور التي ذكرنا . قوله تعالى : [ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 29 إلى 36 ] إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ( 29 ) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ( 30 ) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ( 31 ) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ( 32 ) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ ( 33 ) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ( 34 ) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ( 35 ) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ : وجه « 1 » ذكر صنيع « 2 » الكفرة بالمؤمنين في القرآن ، وجعله آية تتلى وإن كان المؤمنون بذلك عارفين - يخرج على [ ثلاثة أوجه ] « 3 » : أحدها : [ أن ] فيه تبيين موقع الحجج في قلوب المؤمنين وعملها بهم ؛ وذلك أن المؤمنين لما سخت أنفسهم باحتمال الأذى والمكروه من الكافرين ، انتصبوا لمعاداة آبائهم وأجدادهم وأهاليهم ، ورفضوا شهواتهم ، وتركوا أموالهم ، واختاروا اتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلم ودينه ، ومعلوم أنهم لم يحملوا أنفسهم كل هذه المؤن ؛ طمعا ورغبة في الدنيا ؛ لما لم يكن عند رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ما يرغب في مثله من نعيم الدنيا ؛ فثبت أن الحجج هي التي حملتهم ودعتهم إلى متابعته « 4 » لا غير ؛ فيكون فيما ذكرنا تثبيت رسالته ، وإن لم يكن في الآية إشارة إلى الحجج التي اضطرتهم إلى تصديقه والانقياد له ؛ فيكون في ذكره تقرير لمن تأخر عنهم من المؤمنين لرسالته ، عليه السلام . والثاني : أن أولئك المؤمنين صبروا على ما نالهم من المكاره ، واستقبلهم من أنواع الأذى في قيامهم بأمر الله تعالى ؛ ليكون في ذكره تذكير لمن تأخر من المؤمنين : أن عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأنه لا عذر لهم في الامتناع عن القيام بما ذكرنا وإن نالهم من ذلك أذى ومكروه ؛ بل الواجب عليهم الصبر على ما يصيبهم ، والقيام بما يحق عليهم . أو ذكر ما لقي الأوائل من السلف من المعاداة « 5 » والشدائد من الكفرة بإظهارهم دين الإسلام ، ثم نلنا نحن هذه الرتبة ، وأكرمنا بالهدى بلا مشقة وعناء ؛ لنشكر لله تعالى بذلك

--> ( 1 ) في ب : فوجب . ( 2 ) في ب : صنع . ( 3 ) في ب : أوجه ثلاثة . ( 4 ) في ب : مبايعته . ( 5 ) في ب : المعافاة .