أبي منصور الماتريدي

460

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

رينا ، ثم يرتقي إلى الطبع إلى أن يصير كالقفل على القلب ، وفي هذا دليل على أن لله تعالى تدبيرا وصنعا في أفعال العباد ؛ لأنه أنشأ للكفر ظلمة في القلب حتى تمنعه تلك الظلمة عن درك الخيرات ونور الإيمان ؛ إذ كل من اعتقد الكفر فهو ليس يعتقده ؛ ليمنعه عن درك الأنوار ، وإذا لم يوجد منه هذا ، ثبت أنه صار كذلك بتدبير الله - تعالى - وصنعه ؛ إذ لا يجوز أن تحدث الظلمة في القلب إلا بمحدث لها ، وإذا انتفى الصنع من الكافر « 1 » ثبت أنه بتدبير « 2 » الله - تعالى - ما صار كذلك ، وأنه أنشأه مظلما ، والله الموفق . وقوله - عزّ وجل - : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ، اختلف في قوله : يَوْمَئِذٍ . فذكر أبو بكر الأصم : أن هذا في الدنيا ، يقول : إنهم حجبوا عن عبادة ربهم بما عبدوا غير الله تعالى ؛ فصارت عبادتهم غير الله حجابا من عبادته . وذكر أهل التفسير : أن هذا في الآخرة . ثم منهم « 3 » من يقول : إنهم حجبوا عن لقاء ربهم ، وأوجبوا بهذا القول الرؤية للمؤمنين . ومنهم من يقول : هم محجوبون ، أي : عن كرامته « 4 » التي أعدها لأوليائه ، وعن رحمته ، فعوقبوا بالحجب عن ذلك ؛ جزاء لصنيعهم ؛ لأنهم في الدنيا ضيعوا نعم الله - تعالى - فلم يقبلوها بالشكر ، ولم يؤمنوا برسوله الذي بعثه رحمة للعالمين ؛ فأبلسوا من رحمته وكرامته في الآخرة ؛ عقوبة لهم ومجازاة ، وهو كقوله تعالى : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ التوبة : 67 ] ، أي : جعلهم كالشئ المنسي الذي لا يعبأ به ؛ فعلى ما وجد منهم من المعاملة لآياته وحججه بتركهم الالتفات إليها عوملوا بمثله في الآخرة . وقال في آية أخرى : قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً [ طه : 125 ] . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ : من صرف الحجب إلى الدنيا ، فهو يقول : ثم إنهم يصلون الجحيم بعد ما عبدوا غير الله تعالى ، وحجبوا عن عبادته . ومن صرف التأويل إلى أمر الآخرة ، فهو يقول : إنهم يصلون الجحيم بعد ما يظهر فيهم من أثر الحجاب من سواد الوجوه ، وإعطاء الكتاب بشمالهم ومن وراء ظهورهم .

--> ( 1 ) في أ : الكلام . ( 2 ) في ب : تدبير . ( 3 ) قاله الحسن بنحوه أخرجه ابن جرير عنه ( 36646 ) . ( 4 ) في أ : ذكر الله .