أبي منصور الماتريدي

46

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

[ حقوق أمواله ] « 1 » ويسخو بماله على الناس ، ولا يفلح ولو كان عليه هذه الحقوق واجبة ، لكان يحصل له الفلاح ، ثبت أنه ليس عليه أداءها وإنما عليه قبولها ، والله أعلم . وفيه أن صاحب الكبيرة قد يرجى له الفلاح وإن لم يتب عن الكبيرة حتى مات ؛ لأنا قد نرى صاحب الكبيرة قد يوقى شح نفسه ، وقد وعد الله - عزّ وجل - أن من وقي شح نفسه ، فهو من المفلحين ، فإذا كان صاحب الكبيرة قد يوقى شح نفسه ؛ فقد ثبت أنه يرجى له الفلاح ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ، تولد من هذه الآيات ظنون فاسدة : أحدها : ظن اليهود ، حيث قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء ؛ وذلك أنهم لما سمعوا أن الله تعالى يقول : إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً والاستقراض في الشاهد يدل على الحاجة إلى ما يستقرض ، وكذلك قوله - تعالى - : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ [ التوبة : 111 ] ، والشراء يدل على حاجة في المشتري ، وحيث استعمل عبيده في الأعمال ، ثم قال : فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [ آل عمران : 179 ] ، ورأوا أن من يستعمل آخر فإنما يستعمله في عمل ترجع منفعته عليه ويحتاج إلى عمله ، ظنوا بذلك أن الله فقير وأنه محتاج . وظنت المعتزلة أن أنفس العبيد وأملاكهم ملك لهم حقيقة ليس لله - تعالى - في شيء من ذلك ملك ولا تدبير ، قالوا : وذلك أن الله تعالى استقرض من عبيده ، والمرء في الشاهد لا يستقرض ملك نفسه ، فلما استقرض واستباع دل أن هذه الأشياء « 2 » كانت ملكا لهم حقيقة . والذي يدل على أن قول المعتزلة على ما وصفنا : أن من قولهم : إن ليس لله تعالى أن يمرض أحدا ولا يؤلم ذاته إلا بعوض ، ومن لم يملك فعل شيء إلا بعوض أو بدل تبين أنه لا يملكه « 3 » ؛ فثبت على أن عندهم أنه لا يملك حقيقة ، وأن حقيقة الملك فيه للعبيد . ويشبه أن يكون ظن [ اليهود والمعتزلة ] « 4 » جميعا إنما تولد من قولهم : إن ليس لله تعالى أن يفعل بعبيده إلا ما هو أصلح لهم في دينهم ، فذهبت اليهود إلى أن هذا لما كان حقّا على الله أن يفعله لا محالة حتى إذا لم يفعله يكون جائرا ، ومن كان مأخوذا بحق أو

--> ( 1 ) في ب : زكاة ماله . ( 2 ) في أ : زكاة ماله . ( 3 ) في ب : يملك . ( 4 ) في ب : المعتزلة واليهود .