أبي منصور الماتريدي
458
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الفائدة ، فيما وصف جبريل - عليه السلام - بالقوة والأمانة بقوله : ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [ التكوير : 20 ، 21 ] ، فوصف بالأمانة ؛ ليؤمن الخلق عن خيانته في الكتاب وتغييره ، ووصفه بالقوة ؛ ليعلم أن غيره لا يتهيأ له أن ينتزع منه ما أرسل على يده ، فيغيره ، فكذلك وصفه بالختم والأعلام ؛ ليؤمن من الزيادة فيه والنقصان . وقوله - عزّ وجل - : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ، أي : للمكذبين بجميع ما يحق عليهم تصديقه ، وذلك يكون بالإيمان بالله تعالى ، وبآياته ، ورسله ، وبالبعث . وقوله - عزّ وجل - : الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ : الدين اسم لشيئين : اسم للجزاء « 1 » ، واسم للاستسلام والخضوع ؛ فسمي : يوم الدين ؛ لما يدانون بأعمالهم ، أو لما يستسلمون لله - تعالى - في ذلك اليوم ويخضعون له ، وفي تكذيبهم بيوم الدين تكذيب لقدرة الله تعالى وتكذيب رسله ؛ لأن الرسل كانوا يدعونهم إلى الإيمان بيوم الدين ؛ فكانوا يكذبونهم بتكذيبهم بذلك اليوم ؛ فيكون تأويله منصرفا إلى ما ذكرنا من تكذيبهم بجميع ما يحق عليهم التصديق به . وقوله - عزّ وجل - : وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ : المعتدي هو الذي يتعدى حدود الله تعالى ، والأثيم : الذي يتأثم بربه ؛ فيكون مجاوزا به عن الحدود ، والتأثم بربه هو الذي يحمله على التكذيب ، وإلا لو قام بحفظ حدوده ، ولم يأثم بربه ، لكان لا يكذب بيوم الدين . أو يكون فيه إخبار أن المكذب به معتد أثيم . وقوله - عزّ وجل - : إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ : قال : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ : أباطيل الأولين . وقال أبو عبيدة : الأساطير : هي التي لا أصل لها . ومعناه عندنا : ما سطره الأولون ، أي : كتبه ، فالسطر : الكتابة ؛ فيخبرون أنها ليست من عند الله تعالى ، بل مما كتبها الأولون الذين لا نظام لهم ، ولم يكن يقولون هذا في كل ما يتلو عليهم ، ولكنهم كانوا يعارضونه بهذا عندما كان يتلو عليهم من نبأ الأولين ، وكانوا ينسبونه إلى السحر إذا أتاهم بالآيات المعجزات . وقوله - عزّ وجل - : بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ، قيل : الرين : الستر والغطاء . وقيل : الرين : الصدأ ؛ فالله - تعالى - سمى الإيمان الذي هو في النهاية من
--> ( 1 ) في أ : للجن .