أبي منصور الماتريدي

445

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

جريرته ، فتجاوزه « 1 » عنه أو تأخيره العقوبة ، حمله على الاغترار ؛ إذ ظن أنه يعفى عنه أبدا كذلك ؛ فأقدم عليها ، وإلا لو حلت به العقوبة وقت ارتكابه المعصية ، لكان لا يتعاطى المعاصي ، ولا يرتكبها ، فعذره أن يقول : الذي حملني على الإغفال والاغترار كرمك أو حمقي ، كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين تلا هذه الآية : « الحمق يا رب » « 2 » . أو يكون قوله : ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ أي : أي شيء غرك حتى ادعيت على الله تعالى أنه أمرك باتباع آبائك ؟ ! أو تشهد عليه إذا ارتكبت الفحشاء أن الله تعالى أمرك به ؛ على ما قال : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا [ الأعراف : 28 ] ، ألم أبعث إليك الرسول ؟ ! ألم أنزل إليك الكتاب فتبين لك ما أمرت به عما نهيت عنه ؟ ! . وقيل : نزلت الآية في شأن كلدة ؛ حيث ضرب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فلم يعاقبه الله - تعالى - فأسلم حمزة حمية لقومه ؛ فهمّ كلدة أن يضربه ثانية ؛ فنزلت الآية : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ حيث لم يهلكك عند تناولك رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم . لكن لو كانت الآية فيه فكل الناس في معنى الخطاب على السواء ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ففي ذكر هذا تعريف المنة ؛ ليستأدي منه الشكر . وفيه ذكر قوته وسلطانه حيث قدر على تسويته في تلك الظلمات الثلاث التي لا ينتهي إليها تدبير البشر ، ولا يجري عليها سلطانهم ؛ ليهابوه ويحذروا مخالفته . وفيه ذكر حكمته وعلمه ؛ ليعلموا أنهم لم يخلقوا عبثا ولا سدى ؛ لأن الذي بلغت حكمته ما ذكر من إنشائه في تلك الظلمات الثلاث من وجوه « 3 » لا يعرفها الخلق ، لا يجوز أن يخرج خلقه عبثا باطلا ؛ بل خلقهم ليأمرهم وينهاهم ، ويرسل إليهم الرسل ، وينزل عليهم الكتب ؛ فيلزمهم « 4 » اتباعها ، ويعاقبهم إذا أعرضوا عنها ، وتركوا اتباعها ، وسنذكر وجه التسوية « 5 » في قوله : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [ الأعلى : 2 ] : أنه سواه على ما توجبه الحكمة . أو سواه بما به مصالحه .

--> ( 1 ) في ب : فتجاوز . ( 2 ) أخرجه سعيد بن منصور ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر كما في الدر المنثور ( 6 / 534 ) . ( 3 ) في ب : وجه . ( 4 ) في ب : فلزمهم . ( 5 ) زاد في أ : به .