أبي منصور الماتريدي

440

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ثم قوله - عزّ وجل - : فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ يحتمل أوجها غير ما ذكرنا : أحدها : أن هذا القرآن الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلم تلقاه من رسول كريم على الله - تعالى - فإذا لم تؤمنوا به ، ولم تقبلوه فما ذهبتم إلا إلى قول شيطان رجيم . ويحتمل فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ؟ وإلى من تفزعون إذا أتاكم بأس الله - عزّ وجل - ونقمته إذا لم تؤمنوا بالله تعالى ، وأنكرتم البعث ، ولم تصدقوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلم فيما أخبركم به ؟ ! فإذا حل بكم ما أنذركم به فإلى من تلجئون ؟ ! وهو كقوله - تعالى - : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الملك : 28 ] . أو إذا لم تؤمنوا بالله - تعالى - ولم تتبعوا ما أتاكم به محمد صلّى اللّه عليه وسلم وقد تقرر عندكم صدقه أنما أتاكم من الآيات المعجزة ، فبأي حديث تصدقونه بعد ذلك وتذهبون إليه ؟ ! وهو كقوله تعالى : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [ المرسلات : 50 ] ؟ ! . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ . لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ معناه - والله أعلم - : أن هذا القرآن ذكر لمن شاء أن يستقيم من العالمين ، فهو في نفسه ذكر وآيات وهدى ، ولكن ينتفع بهذا الذكر من شاء الاستقامة ، ويهتدي به من طلب الهداية ؛ قال - تعالى - : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] وهو في نفسه هدى ، ولكن يهتدي بهداه المتقون ، ومن ليس بمتق فهو عمى عليه ورجس ، وقال : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [ يس : 11 ] ، وهو كان ينذر من اتبع ومن لم يتبع ، ولكن معناه : أنه ينتفع بالذي تنذر به من اتبع الذكر ، وقال : آيات لأولي الأبصار ، وهي في أنفسها آيات ، ولكن ينتفع بآياته أولو الأبصار . وقوله - عزّ وجل - : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ يحتمل وجهين : أحدهما : أن « 1 » يحمل على تحقيق المشيئة ، ويكون تأويله : أن من أراد الاستقامة على أمر الله - تعالى - أو على الحق ، فهذا الذكر - وهو القرآن - يقيمه على الحق وعلى الأمر ، ويهديه إلى ذلك . أو أن يكون هذا على تحقيق الفعل ؛ فيكون معناه : من استقام منكم على الحق والأمر فهو ذكر له . والأصل أن المشيئة وصف فعل كل مختار ، وإذا كان هكذا ، صارت المشيئة مقترنة [ بالفعل ] ، فإذا فعل فقد شاء ؛ فكان في إثبات الفعل إثبات المشيئة ؛ لذلك استقام حمله على ما ذكرنا ، وهو أن يجعل أحدهما كناية عن الآخر .

--> ( 1 ) زاد في ب : لا .