أبي منصور الماتريدي
436
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والإنس ، يحتجز عنهم بقوته ؛ فلا يتمكنون منه حتى يغيروه ويبدلوه ، ووصفه بالأمانة في نفسه ليأمن الخلق ناحيته . أو وصفه بالقوة على التخويف والتحذير للذين عادوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم فيخبرهم أن معه من يدفع عنه شرهم وكيدهم إن هموا ذلك به . وروي أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال لجبريل - عليه السلام - : « إن الله تعالى وصفك بالقوة فما أثر قوتك ؟ فقال : لما أمرني الله تعالى بإهلاك قوم لوط - عليه السلام - فقلعت قرياتهم ورفعتها بجناح واحد إلى السماء ثم قلبتها » « 1 » . وليس بنا إلى أن نعرف قوته حاجة ، وإنما بنا الحاجة إلى أن نعرف ما المعنى والحكمة في ذكر قوته ؟ ! . وقوله - عزّ وجل - : عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ : إن كان المراد من العرش : الملك ، فمعناه : عند ذي الملك مكين ؛ أي : ذو قدرة ومنزلة . وقيل : العرش : السرير ، فإن كان كذلك ، فتأويله : أنه مكين عند من له سرير الملك . وقوله - عزّ وجل - : مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ قيل : إن جبريل - عليه السلام - رسول إلى الملائكة كما هو رسول إلى الناس « 2 » ، فإن كان كذلك ففيه إخبار أن الملائكة الذين يعبدها بعض الكفرة يطيعون جبريل - عليه السلام - فيما يأمرهم وينهاهم ، فما بالهم يتركون طاعته والائتمار بأمره ؟ ! . وقوله - عزّ وجل - : ثَمَّ أَمِينٍ ، أي : هم يأتمنونه « 3 » ، ولا يتهمونه في شيء مما يجيء به إليهم ، فكيف يتهمه هؤلاء فيما يأتي إلى الرسول من الوحي ؟ ! . وقوله : وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ منهم من يقول بأن الكفرة نسبوه إلى الجنون حين رأى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم جبريل على صورته فغشي عليه ، وكان يتغير في كل مرة يأتي به جبريل - عليه السلام - بالوحي « 4 » لون وجهه ؛ فينسبونه إلى الجنون لهذا . ومنهم من يقول : إنما نسبوه إلى الجنون ؛ لأنه أظهر المخالفة لأهل الأرض ، وكان في أهل الأرض الجبابرة والفراعنة الذين من عادتهم القتل والتعذيب لمن أظهر الخلاف لهم ؛ فكان ذلك منه مخاطرة بنفسه وروحه ؛ حيث انتصب لمعاداة من لا طاقة له بهم ، ومن قام
--> ( 1 ) أخرجه ابن عساكر عن معاوية بن قرة بنحوه كما في الدر المنثور ( 6 / 530 ) . ( 2 ) في ب : الإنس . ( 3 ) في ب : بالمثوبة . ( 4 ) في ب : الوحي .