أبي منصور الماتريدي

432

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [ الزخرف : 38 ] ، ففي هذا إخبار أن المعذب منهم إذا رأى عدوه يعذب عذابه ، ويكون في العذاب الذي هو فيه لم يتسل بذلك شيئا ، ولم ينل به راحة ، وإن كان المرء في الدنيا إذا رأى عدوه يعذب عذابه يتسلى بذلك . وقوله - عزّ وجل - وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ ، وقرأ بعضهم : وإذا الموؤودة سألت وهذا « 1 » هو الظاهر أن تكون هي السائلة ، أي : تسأل إياهم : بأي ذنب قتلت ؟ ! وتقول : بأي ذنب قتلتموني ؟ ! . وكانت العرب تدفن بناتها ، يقال : وأدته : أي : دفنته « 2 » . ثم القراءة المعروفة : سُئِلَتْ ، وهي تحتمل أوجها ثلاثة : أحدها : ذكر أبو عبيد وقال : إن قتلتها « 3 » تسأل : بأي ذنب قتلت الموءودة ؟ ! . و [ الثاني : ] يحتمل أن تسأل الموءودة عند حضرة الذين وأدوها : بأي ذنب قتلت ؟ ! يراد بالسؤال تخويف وتهويل للذين وأدوها ، لا سؤال استخبار واستفهام ، وهو كقوله - تعالى - : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ المائدة : 116 ] ، وليس يسأل عن هذا سؤال استخبار واستفهام ، ولكن يسأل سؤال تخويف وتهويل لمن ادعى أن عيسى - عليه السلام - هو الذي أمرهم أن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله . و [ الثالث : ] جائز أن تسأل الموءودة : أتدعي أو لا تدعي ؟ وما « 4 » الذي تدعي عليهم ؟ فيبدأ بها بالسؤال ، كما يرى المدعي في الشاهد هو الذي يبدأ بالسؤال ، فيقال له : ما تدعي على هذا ؟ فقوله : بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ كأنها إذا سئلت عن الذي ادعت ، قالت : بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ، أي : الكتب نشرت للحساب ، وهي التي فيها أعمال ابن آدم وقتما تدفع إليهم بأيمانهم وشمائلهم . وقوله - عزّ وجل - : وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ ، قيل : قشرت ، وذلك أن تتناثر النجوم ، وتطمس الشمس ، فتطوى كطي « 5 » السجل للكتب . وقيل : كشفت ، تكشف السماء ، كما يكشف الغطاء عن الشيء .

--> ( 1 ) في ب : فهذا . ( 2 ) في أ : وادية : أي دفينة . ( 3 ) في ب : قتلها . ( 4 ) في ب : وأما . ( 5 ) في ب : طي .