أبي منصور الماتريدي

43

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

عليها وتصفحوا وتغفروا ؛ فإن الله غفور رحيم ؛ ألا ترى إلى ما حذر الله المؤمنين من أهل النفاق مع أنهم من الضعف والفشل [ ؛ كما أخبر الله ] « 1 » - عزّ وجل - عنهم بقوله : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [ المنافقون : 4 ] فكذلك الأزواج والأولاد وإن كانوا تحت قهره [ وغلبته ، أمره ] « 2 » بالحذر عنهم ، والله أعلم . ويحتمل أن يكون على فعل العداوة ، ليس أنهم أعداء في الحقيقة ، وذلك أنهم في المتعارف والمعتاد يدعون الآباء إلى البخل والمنع عن الإنفاق على غيرهم ، ويشتد عليهم صنع أبيهم من الإحسان والبر في حق الناس ، ويكرهون ذلك ، وهذا في الظاهر فعل العدو ؛ فيجوز أن يكون الله تعالى علم صحبة هؤلاء أن من أزواجكم وأولادكم من يظهر فعل العداوة فاحذروهم أن تمتنعوا عن وجوه الإحسان إليهم والتبرع بقولهم ، وإن تعفوا عن صنيعهم بكم وتغفروا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ . المفتون : [ هو ] « 3 » المولع بالشيء العاشق له ، فكأنه قال : إنما أموالكم وأولادكم معشوقكم ؛ فلا يحملكم حبهم على أن تتركوا ابتغاء الأجر العظيم عند الله تعالى . ويحتمل أن يكون معناه : أن الله تعالى لم يخلق الأزواج والأولاد لكم مجانا ، وإنما خلقهم ليبتليكم ، ويمتحنكم : أن كيف تعاملون الله تعالى فيما أمركم به ونهاكم عن حبهم ، ثم أخبر أن الله عنده أجر عظيم ؛ ليتحملوا المؤنة العظيمة في أوامره ونواهيه عن حبهم الأولاد والأموال ، وهذا معنى ما قال بعضهم : إن الأزواج والأولاد كانوا يتعلقون بهم ، ويقولون : ننشدك بالله أن [ لا ] تذرنا وتضيعنا ، إذا أراد الرجل أن يهاجر إلى المدينة . والأشبه ألا يكون هذا ؛ لأن هذه الآية نزلت بالمدينة وأفعالهم هذه إنما كانت بمكة ، إلا أن يكونوا كتبوا إليهم بها ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ . قال بعضهم « 4 » : نسخت هذه الآية قوله تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] حيث أمر هاهنا بالاتقاء على قدر الاستطاعة ، وثم بخلافه ، ولكن هذا لا يستقيم ؛ لأن قوله : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعون لا فوق

--> ( 1 ) في أ : فأخبر . ( 2 ) في أ : أمرهم . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير ( 34212 ) و ( 34213 ) وعبد بن حميد وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 346 ) .