أبي منصور الماتريدي
423
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قوله تعالى : [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 17 إلى 32 ] قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ( 17 ) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ( 21 ) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ( 22 ) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ( 23 ) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ( 24 ) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وَعِنَباً وَقَضْباً ( 28 ) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً ( 29 ) وَحَدائِقَ غُلْباً ( 30 ) وَفاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 32 ) وقوله - عزّ وجل - : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ، قالوا : تأويله : لعن الإنسان . وذكر الحسن والمعتزلة : أن هذا من الله - تعالى - على الشتم والتسمية له بذلك ، واستجازوا الشتم منه . والأصل أن ليس في الشتم إلا ظهور سفه الشاتم وعبثه ؛ إذ لا ضرر يلحق بالمشتوم من جهة الشتم ، وإنما ضرر ذلك الشتم على الشاتم خاصة ، وأما المشتوم فإنما يصير مشتوما بفعله لا بشتم الشاتم ، وجل الله - تعالى - من أن ينسب إليه فعل السفه ؛ فلذلك « 1 » قلنا : إنه لا يتحقق معنى الشتم في الكلمة التي « 2 » عرفت شتما فيما بين الخلق إذا « 3 » جاءت من الله - تعالى - كما لا يحقق من الكلمة التي عرفت اغتيابا فيما بين الخلق إذا جاءت من الله - تعالى - معنى الاغتياب ، بل يحمل ذلك على الردع والتنبيه ؛ فيكون في ذكرها تخويف من خوطب بها ، وتذكر للخلق سفهه وجهله ؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد قد يتكلم بما فيه هتك الستر على المخاطب ثم لا يعد ذلك منه اغتيابا ؛ إذا قصد به وعظه وزجره عما هو [ فيه ] « 4 » ، وأرشده إلى ما فيه صلاح آخرته وأولاه ، فكذلك الله - تعالى - إذا جاء منه ما يعد شتما من غيره واغتيابا ، لم يلحقه وصف الشتم والغيبة ؛ إذ ذلك منه على التذكير « 5 » والتنبيه للخلق ، وعلى التخويف والتهويل لمن نسب إليه ذلك . وقوله - عزّ وجل - : ما أَكْفَرَهُ ، أي : ما أقبح كفره ، وأوحشه ، وأشنعه ؛ لأنه علم أن جميع ما أنعم به من النعيم فمن الله - تعالى - ثم هو لم يشكر نعمه ، ولا أطاعه فيما دعاه إليه ؛ بل وجه شكر نعمه إلى من لا ينفعه ولا يضره ، وعند من لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يغني عنه شيئا ، [ و ] ما هذا إلا غاية الفحش ونهاية القبح . أو ما أوحش كفره وأقبحه بما سوى بين الشكور والكفور ، وبين المفسد والمصلح ،
--> ( 1 ) في ب : فكذلك . ( 2 ) زاد في ب : هي . ( 3 ) في ب : إذ . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : التذكر .