أبي منصور الماتريدي
411
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وذلك أهون في عقولهم . ويحتمل وجها آخر : وهو أن السماء مع شدة خلقها أشفقت على نفسها ، فأبت قبول ما عرض عليها من الأمانة ، وخافت نقمة الله - تعالى - [ فما بال ] « 1 » هذا الإنسان مع ضعفه يمتنع عن الإجابة إلى ما دعي إليه ؛ أفلا يشفق على نفسه ، ولا يخاف نقمة الله تعالى ، وما خلقت النار والجنة إلا لأجل الإنس ، فيذكرهم بهذا ؛ ليخوفهم ويرتدعوا عما هم فيه من الطغيان ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه الرسول . وجائز أن يكون هذا صلة قوله : إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [ الانفطار : 1 ] ، و إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [ الانشقاق : 1 ] ، فيخبر أن السماء مع شدتها وطواعيتها لا تقوم بذلك اليوم ؛ فكيف [ يقوم الإنسان ] « 2 » لهول ذلك اليوم مع ضعفه ؟ ! فيرجع هذا - أيضا - إلى التخويف . وقوله - عزّ وجل - : بَناها . رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها : بَناها : أي : خلقها ، رَفَعَ سَمْكَها : سقفها ، فَسَوَّاها بالأرض ، أو سواها على ما توجبه الحكمة ويدل على الوحدانية . قال إمام الهدى أبو منصور - رضي الله عنه - : ثم لم يفهم أحد من قوله : بَناها ما يفهم « 3 » من البناء المضاف إلى الخلق ، ولا فهم من الرفع ما يفهم من الرفع المضاف إليهم ، ولا فهم من قوله : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ما يفهم من البسط المعروف المنسوب إلى الخلق ، فما بال [ بعض ] « 4 » الناس فهموا من المجيء الذي أضيف إلى الله تعالى ما فهموا من المجيء الذي يضاف إلى الخلق ، فلولا آفة حلت بهم حملتهم « 5 » على أن يفهموا منه المعنى المكروه ، وإلا لم تنصرف أوهامهم إلى مثل ذلك . وقوله - عزّ وجل - : وَأَغْطَشَ لَيْلَها ، قيل « 6 » : أظلم « 7 » ليلها ، وَأَخْرَجَ ضُحاها : ففي ؛ إظلام الليل ، وإخراج الضحى ما ينفي عن منكري البعث الشبه التي تعترض لهم ، وذلك أنه يغطش في ساعة لطيفة ويغشى ظلمتها كل شيء ، ثم يتلفها في أدنى وهلة ، ويفنيها
--> ( 1 ) في ب : فما نال . ( 2 ) في أ : تقوم . ( 3 ) في ب : يقيمه . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : حملهم . ( 6 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 36284 ، 36285 ) ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 514 ) وهو قول مجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، وغيرهم . ( 7 ) في ب : وأظلم .