أبي منصور الماتريدي

400

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا ، فالرب : المالك ، فذكر أنه مالك السماوات والأرض وما بينهما ؛ ليعلموا أنه لم يمتحن أحدا بعبادته لحاجة تقع له ، أو لمنفعة تصل إليه ، بل هو الغني ، وله ما في السماوات وما في الأرض ، وأن منفعة ما امتحنوا به من العبادات راجعة إلى أنفسهم إذا وفوا بها ، وإذا لم يقوموا بأدائها كان الضرر راجعا إليهم . وقوله - عزّ وجل - : الرَّحْمنِ بين أنه رحمان ؛ ليرغبوا في رحمته ، ويتسارعوا إلى مغفرته . وقوله - عزّ وجل - : لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً هيبة من الله تعالى ، وتعظيما لحقه ؛ فلا يملكون من هيبته الخطاب بالشفاعة أو بالخصومة أو بأي شيء كان . وقوله - عزّ وجل - : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا ، اختلف في الروح : فمنهم من قال « 1 » : هو جبريل ، عليه السلام . ومنهم « 2 » من صرفه إلى أرواح المسلمين . ومنهم من ذكر أنهم الحفظة على الملائكة يرون الملائكة ولا تراهم الملائكة . وجائز أن يكون الروح الكتب المنزلة من السماء ، كما قال : يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [ النحل : 2 ] ؛ فتكون الكتب مخاصمة مع من ضيع حقها ونبذها وراء ظهره ، وشافعة « 3 » لمن أدى حقها ، وعمل بما فيها . ومنهم من ذكر أن هذا من المكتوم الذي لا يفسر ؛ قال الله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] . وقوله - عزّ وجل - : لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً ، جائز أن يكون هذا منصرفا إلى الشافع ؛ أي : الشافع لا يقول فيما يشفع غير الصواب ، وما حل به من الرهبة والخوف من هيبة الله تعالى لا يزيله عن التكلم بالحق ؛ بل الله تعالى يثبته على الحق ، ويجرى على لسانه الصواب . وقال بعضهم : معناه : لا يشفع إلا من قال في الدنيا صوابا ، وهو الحق . وقيل « 4 » : معناه : أنه لا ينال من الشفاعة حظا إلا من قال في الدنيا الصواب ،

--> ( 1 ) قاله الضحاك أخرجه ابن جرير ( 36135 ، 36136 ) ، وعبد بن حميد ، وأبو الشيخ عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 506 ) . ( 2 ) قاله ابن عباس بنحوه أخرجه ابن جرير ( 36146 ) ، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 506 ) . ( 3 ) في ب : شافعا . ( 4 ) قاله مجاهد بنحوه أخرجه ابن جرير ( 36151 ) ، والفريابي ، وعبد بن حميد عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 507 ) .