أبي منصور الماتريدي

38

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

هذا فعل من لا يعلم العواقب ومن هو عابث في فعله ، جل الله تعالى عن مثل هذا الوصف ، إلا أن يحمل على الوعد إن ثبت الخبر ، أي : إن أسلم الكافر كان له ذلك المنزل في الجنة ، وإن ارتد المسلم عن الإسلام ، كان له ذلك المنزل في النار ، وهو عالم أن عاقبة أمره ما ذا : الكفر أو الإسلام ؟ وأن مأواه النار أو الجنة وحكمه على ما علم وأراد ، ولكن الله تعالى عالم بما كان وما يكون وبما لا يكون أن لو كان كيف يكون ، فأخبر على ذلك ، وإلا لم يصح ، لما ذكرنا من المعنى ، والله الموفق . ويحتمل : أنه إنما سماه : يوم التغابن ؛ لأن الدنيا جعلت أسواقا ، والأحوال التي تكون لهم رؤوس الأموال ، والأعمال التي يعملون فيها ويكتسبون تجارة ؛ قال الله تعالى : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الصف : 10 ] ، ثم قال : تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . . . الآية [ الصف : 11 ] ، وقال في آية أخرى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ . . . . الآية [ التوبة : 111 ] وقال اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [ البقرة : 16 ] ، وقال : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ [ البقرة : 86 ] ، فإذا كانت الدنيا متجرا فالآخرة هي التي يقسم فيها الأرباح ، وفي ذلك يقع الربح والخسران ، ويظهر الغبن والفضل أو النقصان والزيادة ، والله أعلم . أو سماه : يوم التغابن ؛ لما يظهر لهم في ذلك أنهم خسروا أو ربحوا ، ولا يظهر لهم ذلك في الدنيا ، ثم بين العمل الذي يربح عليه ، والعمل الذي يخسر به ، والتجارة التي يوصل بها إلى الأرباح ، والتي يلحق بها الخسران ، وهو ما قال : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . . . . الآية وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا . . . . الآية . ثم قوله - عزّ وجل - وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً . يعني : ومن يؤمن بالله على ما جاءت به الرسل جملة ، وأن له الخلق والأمر ، ويؤمن بالرسل والبعث - فذلك هو الإيمان بالله تعالى . وقوله : وَيَعْمَلْ صالِحاً . [ يعني : ومن يؤمن بالله ويعمل ] « 1 » في إيمانه صالحا إلى أن يموت . وقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا . يعني : كفروا بوحدانية الله تعالى وبقدرته ، وكذبوا بآياته ، أي : بحججه ، أو كذبوا بالبعث أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .

--> ( 1 ) في ب : أي : يعمل .