أبي منصور الماتريدي
377
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
جائز أن يصرف إلى الرياح ، وإلقاء ذكرها ما ذكرنا : أنه تظهر بها النعم ، وتتذكر ، وتبين بها النجاة ، ويقع ببعضها الهلاك ، فذلك إلقاء ذكرها ، والله أعلم . وإن صرف الكل إلى الملائكة فيحتمل أيضا : فقوله - عزّ وجل - : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً ، أي : الملائكة الذين أرسلوا بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر . وقوله - عزّ وجل - : فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً ، أي : الملائكة الذين يعصفون أرواح الكفار ، أي : يأخذونها على شدة وغضب . وقوله - عزّ وجل - : وَالنَّاشِراتِ نَشْراً جائز أن يكون أريد بها السفرة من الملائكة ، سموا : ناشرات ؛ لأنهم ينشرون الصحف ، ويقرءونها . وجائز أن يراد بها الملائكة الذين يأخذون أرواح المؤمنين على لين ورفق . وقوله - عزّ وجل - : فَالْفارِقاتِ فَرْقاً جائز أن يراد بها الملائكة ، وسميت : فارقات ؛ لأنهم يفرقون بين الحق والباطل . وقوله - عزّ وجل - : فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً هم الملائكة الذين يلقون الذكر على ألسن الرسل ، عليهم السلام . وإن صرف البعض إلى الملائكة والبعض إلى الرياح ، فمستقيم أيضا « 1 » . فتكون « المرسلات » : الذين أرسلوا بالمعروف والخير . و « العاصفات » الريح الشديدة ، و « الناشرات » : الرياح الخفيفة السهلة . و « الفارقات فرقا » و « الملقيات ذكرا » : هم الملائكة . ويحتمل وجها آخر : أن يراد بقوله : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً هم الرسل من البشر الذين بعثوا إلى الخلق ، فما من رسول بعث إلا وهو مرسل بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر . وكذلك جائز أن يراد بقوله تعالى : فَالْفارِقاتِ فَرْقاً . فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً هم الرسل ؛ لأنهم يفرقون بين الحق والباطل ، ويلقون الذكر في مسامع الخلق . وجائز أن يكون قوله : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً هي الكتب المنزلة من السماء ؛ لأنها أرسلت بالمعروف وكل أنواع الخير . وكذا قوله : وَالنَّاشِراتِ نَشْراً ، أي : ناشرات للحق والهدى ، وكذا قوله - عزّ وجل - : فَالْفارِقاتِ فَرْقاً ؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل أيضا .
--> ( 1 ) زاد في ب : أن .