أبي منصور الماتريدي
363
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فملأ السماوات والأرضين وكل شيء ؛ حتى انشقت السماوات ، وتناثرت النجوم ، وبست الجبال . ومعناه : أن هول ذلك اليوم قد عم وفشا في أهل السماوات والأرض ؛ حتى خافوا على أنفسهم . وقيل : سمي : مستطيرا ، أي : طويلا ، ويقال : استطار الرجل ؛ إذا اشتد غضبه ، واستطار الأمر ؛ أي : اشتد ؛ فسمي : مستطيرا ، أي : شديدا . وقوله - عزّ وجل - : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً : فالحب يتوجه إلى معان : يتوجه إلى الإيثار مرة ، وإلى ميل النفس وركون القلب أخرى ، ومرة يعبر به عن الشهوة ؛ فالمراد من الحب هاهنا : الشهوة ؛ فيكون قوله - عزّ وجل - : عَلى حُبِّهِ ، أي : على شهوتهم وحاجتهم إليه . وقيل : ويطعمون في حال عزة « 1 » الطعام . وقيل « 2 » : أي : يطعمون الطعام على حبهم لها وحرصهم عليها ، ليس أن يطعموا عند الإياس من الحياة ، على ما روي في الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح ، تأمل العيش ، وتخشى الفقر » . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ : [ قيل : إنهم لم يتكلموا بهذا اللفظ ، أعني : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ] « 3 » لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً الآية ، ولكن علم الله تعالى ذلك من قلوبهم ؛ فأثنى عليهم بذلك ؛ ليرغب في ذلك الراغبون ؛ ألا ترى أنهم كانوا يطعمون الأسارى ، ولا يطمع من الأسارى المجازاة والشكر ؛ ليعلم أنهم لم يقصدوا بها إلا وجه الله تعالى والتقرب إليه ، والمجازاة : هي المكافأة لما أسدي إليه ، والشكر : هو الثناء عليه والبشر عنه . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً : فمنهم من جعل هذا نعتا لذلك اليوم ؛ فيكون معناه : أن هذا اليوم - وهو يوم القيامة - من بين سائر الأيام كالإنسان العبوس من بين غيره . ومنهم من صرفه إلى الخلائق ؛ فيكون معنى قوله تعالى : يَوْماً عَبُوساً ، أي : يوما تعبس فيه وجوه الخلائق ؛ لا أن يكون اليوم بنفسه عبوسا ، وهو كقوله تعالى : وَالنَّهارَ
--> ( 1 ) في ب : غيرة . ( 2 ) قاله مقاتل بن سليمان أخرجه ابن جرير ( 35778 ) . ( 3 ) سقط في ب .