أبي منصور الماتريدي

358

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والوجه الثالث : قد أتى عليه حين من الدهر ، ولم يكن مذكورا في الممتحنين ، وهذا في كل إنسان ؛ لأنه ما لم يبلغ ، لم يجر عليه الخطاب ، ولم يكن مذكورا في الممتحنين ؛ فالله تعالى [ خلق الخلائق ليعبدوه بقوله : ] « 1 » وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ، فقوله : لِيَعْبُدُونِ إذا صاروا من أهل المحنة ، فإلى أن يبلغ قد أتى عليه حين من الدهر ، لم يكن مذكورا في جملة من خلقوا للعبادة ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ ، والإنسان لم يكن إنسانا في النطفة ، ولا في العلقة ، ولا في المضغة ؛ ولكن المقصود من إنشاء النطفة والعلقة هذا الإنسان ، والعواقب في الأفعال هي الأوائل في القصد والمراد ؛ فاستقام إضافته إلى ما ذكرنا ؛ لما رجع إليه القصد من إنشائها . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا أردت أمرا فدبّر عاقبته ، فإن كان رشدا فأمضه ، وإن كان غيّا فانته » ؛ فألزم النظر في العواقب ؛ فثبت أن المقصود من فعل أهل التمييز العاقبة ؛ وإذا كانت العاقبة مقصودا إليها في الابتداء صارت العاقبة كالموجود في الابتداء ؛ لذلك استقام إضافة الإنسان إلى النطفة والعلقة والمضغة . ثم قوله - عزّ وجل - : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ منصرف إلى أولاد آدم - عليه السلام - فيكون المعنى من الإنسان أولاده ، ثم ذكر لهم ابتداء أحوالهم وما تنتهي إليه عاقبتهم - وهو الموت - ليتعظوا به ، ويتذكروا . ووجه الاتعاظ : هو أنهم إذا علموا ابتداء أحوالهم ، وعلموا ما ينتهي إليه عاقبتهم ، علموا في الحال التي هم فيها أن أنفسهم في أبدانهم ليست لهم ، بل عارية في أبدانهم ؛ إذ لم يكن منهم صنع « 2 » في الابتداء ، أو أمانة ، والحق على الأمين أن يقوم بحفظ الأمانة ورعايتها ، وألا يخون صاحبها فيها ، فإن هو خانها ، ولم يتول حفظها - لحقته المسبة والمذمة ، وإن « 3 » حفظها ورعاها حق رعايتها ، استوجب الحمد والثناء من صاحبها . والحق على المستعير أن يتمتع بالعارية ، وينتفع بها إلى الوقت الذي أذن له ، وألا يضيعها ، فإن ضيعها لحقته الغرامة والضمان بتضييعه إياها ، وكذلك « 4 » إذا علموا أنها في أبدانهم « 5 » عارية وأمانة علموا أن عليهم رعايتها واستعمالها في الوجه الذي أذن لهم فيها ؛

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : صنيع . ( 3 ) في ب : فإن . ( 4 ) في ب : ولذلك . ( 5 ) في ب : أيدهم .