أبي منصور الماتريدي

349

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ففيه بيان ما ينتهي إليه عواقب من التزم طاعة الله تعالى ، وآمن بالبعث والحساب ، وبيان ما ينتهي إليه عواقب من تولى عن طاعته ؛ فقوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ جائز أن يكون أريد بها نفس الوجوه . وجائز أن يكون أريد بها الأنفس ، وتكون الوجوه كناية عنها ، والذي يدل على أنه أريد بها الأنفس لا أعينها قوله : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ . تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ، والوجوه لا تظن ذلك ، ولا تعلم به ، فثبت أن ذكر الوجوه على الكناية ، لا أن أريد بها أعينها ، فهذا التأويل أوفق بما يقتضيه ظاهر اللفظ ، وإنما صلح أن تكون الوجوه كناية عن الأنفس ؛ وذلك أن النفس إذا تلذذت بأمر ، ونالت شهوتها ، ظهر سرور ذلك في وجهه ، وإذا تألمت بأمر فاعتراها الحزن ، ظهر أثر الحزن في وجهه ؛ فيكون في قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ وصف لهم بما هم عليه من غاية السرور بالكرامات التي أكرموا بها حتى نضرت وجوههم بذلك . وإذا ثبت أنهم قد نالوا الكرامات ، ووصلوا إلى أنواع اللذات ، لم يبق لقوله : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ موضع ، إلا أن يصرف إلى حقيقة النظر ؛ فيكون في هذا إثبات القول بالرؤية . والثاني : أن الملوك الذين من عادتهم الاحتجاب عن الخلق ، إذا قربوا إنسانا لم يحتجبوا عنه ، ويكون تركهم « 1 » الاحتجاب آثر إلى ذلك الذي أكرم بالتقريب من سائر ما يكرمه به ؛ فجائز أن يكون الله تعالى يكرم أولياءه بالنظر إليه ، ويتفضل عليهم بذلك . وجائز أن يكون قوله : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ منصرفا إلى انتظار الثواب ؛ كما قاله بعض أهل التأويل « 2 » ، فتنتظر ما يأتيها من التحف والكرامات حتى وصفوا بنضارة الوجوه ؛ فجائز أن يكون بعد تلك الكرامات [ كرامات ] « 3 » وتحف أخر لم تأتهم بعد ؛ ألا ترى إلى قوله : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ . تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ والبسور من أدنى أحوال التغير ، وغاية التغير أن تسود الوجوه وتكلح ؛ فإذا لم يحل بهؤلاء بعد غاية ما أوعدوا من العذاب ، فجائز أن يكون الذين وعد لهم الكرامات لم ينتهوا بعد إلى أقصاها ، ولم ينالوا بعد أرفعها ؛ وإنما أكرموا ببعضها ، وهم منتظرون لما يأتيهم من بعد . وجائز أن يكون قوله : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ، أي : نجعل نظرها فيما أكرمت إلى الله تعالى ، ولا ترى ذلك الفضل مستوجبا من جهتها كما قد يرى المرء في الشاهد بعض ما خول من المال بحيله وسعيه ، والله أعلم . وجائز أن يكون قوله : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ، أن ليس كل الكرامات في نفسه خاصة وإلى ما

--> ( 1 ) في أ : بركة . ( 2 ) قاله مجاهد أخرجه ابن جرير ( 35656 ، 35660 ) . ( 3 ) سقط في ب .