أبي منصور الماتريدي

344

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والرأس وغير ذلك ، وفيها نفس أمارة بالسوء ؛ فتصير جوارحه كلها بصيرة ، أي : شاهدة عليه بما قدم وأخر . وجائز أن يكون هذا على الإضمار ؛ فيكون قوله : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ، أي : نفس الإنسان بصيرة بما عملت . ثم من الناس من يثبت للجوارح العلم بما كسبت نفسه ؛ حتى تصير شاهدة عليه يوم القيامة بقوله : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النور : 24 ] ، ولو لم يكن لها العلم بما قدمت نفسه ، لكانت لا تشهد بما لا تعلم . وليس الأمر عندنا على ما زعموا ؛ لأنها لو علمت بذلك ، لكان صاحبها يصل إلى العلم من جهتها ؛ ألا ترى أن القلب لما ثبت له المعرفة ، وقع لصاحبه العلم من جهته ، وكذلك السمع لما حصل « 1 » فيه السمع ، وقع لصاحبه علم المسموع به ، ولما كان بعينه يبصر الأشياء كان علم البصر واقعا من جهتها ؛ فلما لم يقع له العلم بيديه ، ولا برجليه ، ولا بشيء من جوارحه سوى القلب - علم أنه لاحظ لها في المعرفة ، ولكن جعلت هي شاهدة وحجة يوم القيامة تشهد على صاحبها ، بما يحدث الله تعالى فيها علما ضروريّا بذلك ، لا أن كان لها علم بالذي شهدت قبل ذلك ، كما جعلت نطوقه في ذلك الوقت ، لا أن كان النطق فيها موجودا من قبل ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 16 إلى 19 ] لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) وقوله - عزّ وجل - : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ : هذا كلام مبتدأ منفصل عن الأول ، وذكر أهل التأويل أن جبريل - عليه السلام - كان إذا أتى نبي الله صلّى اللّه عليه وسلم بالوحي ، فكان لا يفرغ من آخر آية حتى يقول نبي الله - عليه السلام - في أولها ؛ مخافة النسيان ، على ما عليه عرف الخلق أنهم إذا أرادوا وعي الكلام وحفظه ، كرروها بألسنتهم ؛ كي يضبطوها ولا ينسوها ؛ فكان النبي - عليه السلام - يفعل ذلك « 2 » ؛ خشية النسيان ؛ فنهي عن ذلك بقوله : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ، وهو كقوله : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [ طه : 114 ] . وهذا عندنا مما لا يجوز أن نشهد على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أنه كان يحرك لسانه قبل مجيء

--> ( 1 ) في أ : جعل . ( 2 ) في ب : كذلك .