أبي منصور الماتريدي

341

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قال بعضهم : إذا شخص البصر نحو الداعي يوم القيامة ، وهو كقوله - عزّ وجل - : لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ [ إبراهيم : 42 ] ، فيشخص ببصره إلى الداعي ؛ لأنه قد علم أن الذي حل به من بأس الله تعالى هو لامتناعه عن الإجابة للداعي في هذه الدنيا ؛ فيسارع يوم القيامة في إشخاص بصره إلى الداعي ؛ ابتدارا منه إلى إجابة الداعي . وقوله - عزّ وجل - : وَخَسَفَ الْقَمَرُ ، أي ذهب ضوؤه ونوره ؛ ففيه أن العالم في ذلك اليوم يغير ويبدل ، كقوله - تعالى - : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ إبراهيم : 48 ] ، وقال : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً [ الكهف : 47 ] ، وقال : يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً . فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً [ طه : 105 ، 106 ] . وقوله - تعالى - : وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ : فيه أن سلطانهما يذهب ؛ فلا يعملان عملهما بعد ذلك . ثم من الناس من زعم أنهما يجمعان يوم القيام كالبعيرين القرينين ، أو كالثورين القرينين ، فيلقيان في النار ، ويعذبان بها . وذكر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه أنكر هذا ، وقال : « إنهما خلقان لله تعالى ، طائعان له - عزّ وجل - ألا ترى إلى قوله - تعالى - : وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ [ إبراهيم : 33 ] يدأبان في طاعة الله تعالى ، ومن كان هذا وصفه ؛ فلا يجوز أن يعذب » . وعندنا أن إلقاءهما إن ثبت ، فهما يلقيان في النار ؛ ليعذب بهما غيرهما ، وهم الذين عبدوهما من دون الله تعالى ، وذلك كقوله - عزّ وجل - : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ الآية [ الأنبياء : 98 ] ، ومعلوم أن « 1 » الأصنام التي عبدت من دون الله لا تعذب بالنار ، ولكنها تجعل حصبا ونارا يعذب بها من عبدها ، وقال [ الله ] « 2 » تعالى : وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً [ المدثر : 31 ] ، ولا يجوز أن يكون الملائكة يمسهم أذى النار ، بل هم الذين يعذّبون ؛ فعلى ذلك الشمس والقمر إن ثبت أنهما يلقيان في النار ، فهما يلقيان ؛ ليعذب بهما من عبدهما ، لا أن يعذبا بأنفسهما ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ جائز أن يكون قوله : أَيْنَ الْمَفَرُّ على طلب الحيلة أن كيف أحتال إلى أن أفر ؟ وإلى من ألتجئ ؛ لأتخلص من بأس الله وعذابه ؟ ! ويحتمل أن يكون قوله : أَيْنَ الْمَفَرُّ ، أي : ليس لي « 3 » موضع فرار عما حل بي ؛

--> ( 1 ) في ب : بأن . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ ، ب : في .