أبي منصور الماتريدي

34

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ذلك ، حذرهم بعقوبات تنزل بهم لو لم ينتهوا عما هم فيه من الطغيان . وقوله - عزّ وجل - : فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ ، أي : شدة أمرهم ، ويحتمل أن يكون عاقبة أمرهم . وقوله : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فيه إخبار أن ما نزل بهم من العذاب في الدنيا ، لم يكفر عنهم الذنب ، أعني : ذنب الكفر ، وأن عذاب الدنيا إنما كان جزاء شرهم في الكفر ، وأنه يعذبهم في الآخرة عذاب [ الكفر والشرك ] « 1 » ، والله أعلم . وقوله - تعالى - : ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا . فكأنه يريد بقوله : ذلِكَ أي : تلك العقوبات التي نزلت بالأمم الماضية ، إنما كان سببها : أن رسلهم كانت تأتيهم بالبينات ، فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا ، وكان قولهم : أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا تلقين إبليس ؛ حيث لقنهم مخالفة الرسول وتكذيبه ، وأنكم لو احتجتم إلى طاعته ففيكم من هو أعظم منه درجة وأكثر منزلة ، فإذا لم تطيعوه فكيف تطيعون بشرا مثلكم ؟ ! وهذا كله عناد وخطأ ، وذلك أنهم قد كانوا يعبدون الأصنام ؛ تقليدا منهم لبشر ؛ ألا ترى إلى قوله : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : 23 ] ، ومعلوم أن جعل الأصنام معبودا يعبدونه بقول البشر ؛ تقليدا له - أكثر وأعظم من تصديق البشر : أنه رسول من عند الله - تعالى - عند قيام الدليل المعجز ، فإذا استجازوا تقليد البشر في ذلك ، فكيف لا استجازوا تصديق الرسول فيما يدعوهم إلى توحيد الله وطاعته فيما يرجع إليهم من المنافع والمضار ، ولكنهم كانوا قوما سفهاء ، فاتبعوا سفههم وعنادهم ، والله أعلم . وكذلك قولهم : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [ المائدة : 110 ] ، وكيف يكون سحرا ، وقد أتاهم بآيات أعجزتهم وأعجزت السحرة أن يأتوا بمثلها ؟ ! ولكنهم عاندوا ، ولم يجدوا حيلة سوى أن قالوا : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [ المائدة : 110 ] . وقوله : فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ . أي : كفروا بالرسل وَتَوَلَّوْا : أعرضوا عن طاعته ، وطاعة رسوله . وقوله : وَاسْتَغْنَى اللَّهُ لم يسمع من أحد من المتكلمين يقول : وَاسْتَغْنَى اللَّهُ على الابتداء إلا ما ذكر في ظاهر هذه الآية ، والقول [ في الاستغناء فيما يريد به الإخبار جائز ؛ نحو قولك : الله مستغن ، فأما أن تبتدئ ، فتقول : الله مستغن ، فيما فيه شك وريب ، فإنه لا يجوز البداية به ] « 2 » .

--> ( 1 ) في ب : الشرك والكفر . ( 2 ) بدل ما بين المعقوفين في أ : بذاته به .