أبي منصور الماتريدي
338
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
خص بها من نحو ما يملكون بالبنان تسخير الدواب والأنعام ؛ فعلم بالتفريق بين الدواب وبينهم أن البشر هم المقصودون بالمحنة ، وألا يتركهم سدى ، لا يأمرهم ، ولا ينهاهم ، ولا يستأديهم شكر ما أنعم الله عليهم ؛ وقد ائتمر البعض وعصى البعض ؛ فلا بد من دار أخرى للمجازاة ؛ فالنظر في هذا يحمله على القول بالبعث والجزاء . ولأن الاستواء يقع في الابتداء ، والجمع بعد التفريق يكون عند الإعادة ، والعقول تشهد على أن أمر الإعادة أيسر من أمر الابتداء ، فإذا لم يتعذر عليه الاستواء في الابتداء ؛ فأنى يعسر عليه إعادة الجمع مع قدرته على الجمع في الابتداء ؟ ولأنهم لما لم يخلقوا مستوية البنان ، فليعلموا أن في ترك الاستواء حكمة ، ولو كان الأمر على ما قدروا أن لا بعث لكان ذلك يخرج عن حد الحكمة ؛ فيكون فيما ذكر تثبيت البعث والقول بالقدرة على جمع العظام بعد تفرقها ، وتفتتها ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ : قال أهل التفسير : يؤخر التوبة ، ويقدم المعصية ، ويقول : « سوف أتوب » ، فيأتيه الموت على شر حاله . وعندنا يخرج على وجهين : أحدهما : جائز أن يكون ذكر الإرادة لا على تحقيقها ؛ ولكن من فعل شيئا فعله على الإرادة والاختيار ، فكنى بالإرادة عن الفعل ؛ لأنها تقترن بالفعل « 1 » ؛ فيكون في ذكرها ذكر الفعل ، وهو كقوله - عزّ وجل - : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ ص : 27 ] ولم يظن أحد من الكفرة أن السماء والأرض خلقتا باطلا ، ولكن خلقهما خرج على الحكمة بالبعث والجزاء ، ففي ترك القول بالبعث وصف بأن خلقهما للعب والباطل ، ويؤدي إلى هذا ؛ فيصير كأنهم قالوا ذلك ، وظنوا كذلك ؛ فعلى هذا يحمل الأمر على الظن ، لا أن وجد منهم الظن في الحقيقة ؛ فكذلك إذا فعلوا فعل الفجور ، وكان فعلهم على الإرادة والاختيار ؛ فكأنهم أرادوا أن يفجروا أمامهم ، لا أن كانت الإرادة منهم متحققة لذلك مقصودا . وجائز أن يكون ذلك على تحقيق الإرادة ، وذلك أن للشر والفجور سبلا « 2 » من سلكها أفضت به إلى أن يستحق اسم الفجور ، وللخير والهدى سبلا من سلكها أفضى به الأمر إلى
--> ( 1 ) في أ : بالعقل . ( 2 ) في ب : سبيلا .