أبي منصور الماتريدي

335

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والجواب عن هذا من وجهين : أحدهما : أن يكون القسم منصرفا إلى الحكمة التي توجب القول بالبعث ؛ إذ قد بينا في غير موضع : أنه بالبعث ما خرج خلق هذا العالم مخرج الحكمة ، ولولا البعث ، لكان خلقه عبثا باطلا ، كقوله - عزّ وجل - : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] ، كأنه قال : لا أقسم بحكمته الداعية إلى كون القيامة كذا أن يكون كذا . وجائز أن يكون القسم في الحقيقة بالدلائل والبراهين التي من تفكر وأمعن النظر فيها ، حمله ذلك على القول بالبعث ، وإذا كان محتملا صح القسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ؛ لأن التفكر في النفس اللوامة والاعتبار بها يدعو إلى القول بالبعث . ثم العادة جرت على القسم بالأشياء التي عظم خطرها ، وجل قدرها في القلوب ؛ وجلالة خطرها يكون بأحد وجهين : إما بما كثرت منافعها ؛ فيكون خطرها مشاهدا معروفا . أو بعظم « 1 » خطرها بالدلائل والأخبار ، فالسّماوات والأرضون قد عرف الخلق جلالة أقدارهما بالعيان ؛ بما كثرت منافع الخلق بهما . وعظم يوم القيامة بما جل خطره في القلوب ؛ وثبت القول بكونه بالدلالات والبراهين . ثم قد وصفنا أن الله - تعالى - أقسم بأشياء ؛ لتأكيد ما يعرف بيانه ويجب القول به لولا القسم لو أمعن النظر فيه ؛ وأعملت فيه الروية ؛ لذلك استقام القسم بها ، والله أعلم . واختلف في النفس اللوامة : قال بعضهم : النفس اللوامة هي النفس الكافرة ، تلوم ربها في الدنيا أبدا في تضييق العيش عليها ، وتشكو ربها من الفقر والإقتار عليها ، مع كثرة نعم الله عليها وإحسانه إليها . ومنهم من صرف التأويل إلى كل نفس مؤمنة كانت أو كافرة ، فهي تلوم غيرها ؛ لتعاطيها أشياء قد تعاطت نفسه مثلها ، وامتحنت بها ، والحق على كل أحد ألا يلوم أخاه بما تعاطى فعلا قد أتى هو ذلك الفعل بعينه أو مثله ، ولكنها أنشئت كذلك لوامة ، كما قال : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً . إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً [ المعارج : 19 ، 20 ] . ومنهم من ذكر أن هذا يكون في الآخرة ، فالكافر إذا أيقن بالعذاب وما حل به من نقمة الله تعالى ندم على ما فرط في جنب الله ، وأدركته الحسرة ؛ فعند ذلك يلوم نفسه ،

--> ( 1 ) في أ : ويعظم .