أبي منصور الماتريدي
323
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : أَسْفَرَ ، أي : أضاء ، وانتشر . وقوله : إِذْ أَدْبَرَ ، أي : ذهب . وحكي عن الكسائي أنه قال : إن « دبر » لغة قرشية ، يقولون : ذهب كالأمس الدابر ، أي : الذاهب ، فيقولون : دبر في الأيام والشهور والسنين ، ولا يقولون في غير ذلك : لا يقولون : دبر الرجل ، ودبر الأمر ؛ ولكن يقال : أدبر . وفي حرف ابن مسعود إذ ادبر ، وفي الحروف إذا أدبر ، والمعروف إذ أدبر كما قلنا . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ قيل : يعني : السقر . ثم عذاب أهل النار ألوان ، وفي جهنم دركات ، والسقر : إحدى دركاتها ؛ إذ هي لون من ألوان العذاب ؛ فصارت هي من إحدى الكبر . وقوله - عزّ وجل - : نَذِيراً لِلْبَشَرِ فمنهم من صرف النذارة إلى السقر ، ومنهم من صرفها إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو كقوله تعالى : وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا [ الأحقاف : 12 ] ، فمنهم من قرأ لتنذر بالتاء ، وصرف النذارة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ومنهم من قرأ بالياء ، وصرفها إلى القرآن . ثم الأصل أن ما خرج مخرج الأفعال مضافا « 1 » إلى الأشياء اللاتي ليست لهن أفعال ، فهو يقتضي أمرين : أحدهما : ذكر الأحوال التي تقع لديها مما لو لم يكن ذلك سببا لم تحدث تلك الأحوال من غير أن يكون علة لها ؛ فنسبت إليها إذا صارت سببا ؛ لحدوث تلك الأحوال ، وهو كقوله - عزّ وجل - : وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا [ الأنعام : 130 ] ، وحياة الدنيا لا تغر أحدا ، ولكنهم اغتروا بزينتها ، فنسب إليها الغرور لما كانت سببا لتغريرهم . والثاني : أنها أنشئت على هيئة لو كانت من أهل التغرير ، لكانت تغر ، فنسب إليها الغرور لذلك . وقال في قصة إبراهيم - عليه السلام - رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ [ إبراهيم : 36 ] ، والأصنام ليست ممن ينسب إليها الإضلال ؛ لأنه لا فعل لها ، ولكن عبادها « 2 » لما ضلوا بها ، نسب الإضلال إليها ، وهي - أيضا - على صورة لو كانت لها
--> ( 1 ) في أ : معناه . ( 2 ) في ب : عبادتها .