أبي منصور الماتريدي
311
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الأبد وأبعده من رحمته ؛ حيث أخذ ماله في الانتقاص ، وانقطعت مادة ماله ، فهذا أثر اللعن في الدنيا ، ووعد أن يصليه سقر ، وأن سيرهقه صعودا ، وذلك خزيه ولعنه في الآخرة ، فظهرت « 1 » ، إحدى اللعنتين في الدنيا وتلحقه الثانية في الآخرة . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ نَظَرَ جائز أن يكون نظر في كلمات القوم التي ألقوها فيما بينهم . وقوله : ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ جائز أن يكون الذي حمله على العبوس والبسور هو ما ألقوا إليه المختلف « 2 » من الكلمات ، فعبس وجهه عليهم ؛ لما في اختلافهم ظهور كذبهم . أو يكون الذي دخل عليه من شدة الغيظ في أمر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أهمه وأحزنه ، حتى أثر ذلك في وجهه ، فعبس لذلك وجهه . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ : يحتمل أن يكون أدبر عن أولئك القوم الذين اجتمعوا للتدبير ، واستكبر عليهم . أو أدبر عن طاعة الله تعالى ، واستكبر على رسوله ؛ حيث أعرض عنه ، ولم يجبه إلى ما دعاه إليه . وقوله - عزّ وجل - : فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ : أي : هذا الذي أتى به محمد مما يؤثر من أفعال السحر . أو هذا الذي يخبر « 3 » أنه أتى به من عند الله هو سحر يؤثر عمن تقدمه ، ولكن قال هذا على علم منه أنه ليس بسحر . قال الفقيه - رحمه الله - : ولو كان الذي أتى به محمد صلّى اللّه عليه وسلم سحرا كما قرفوه به ، فهو لا يخرج من أن يكون حجة له في صدق مقالته وإثبات رسالته ؛ لأنه لا وجه لمعرفة السحر من طريق الرأي والتدبير ، وإنما سبيل الوصول إليه الإتقان والتلقن عن الغير ، وقد علموا أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم يلقنه أحد ، ولا وجد منه الاختلاف إلى من عنده علم ذلك ، فوقع لهم الإيقان « 4 » : أنه بالله تعالى علم لا بأحد من الخلائق ؛ فيصير الذي قرفوه به من أعظم الحجة ، ولكن الله تعالى طهره عن السحر ، ونزهه عن ذلك ، وأمره بمعاداة السحرة حتى قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « اقتلوا كل ساحر وساحرة » « 5 » ، وقال : « توبة الساحر ضربة
--> ( 1 ) زاد في ب : من . ( 2 ) في ب : التخلف . ( 3 ) في ب : يخبرنا . ( 4 ) في ب : الإتقان . ( 5 ) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ( 1 / 145 ) .