أبي منصور الماتريدي

31

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أحد من العباد ، وهذا خلاف ما مدح الله [ تعالى نفسه به ] « 1 » ، والله الموفق . وقوله - عزّ وجل - : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ، يحتمل أن يكون تأويله : فمنكم من يدين بدين الكفر ، ومنكم من يدين بدين الإسلام « 2 » ، ودل هذا على أن المعصية والطاعة يجتمعان في دين واحد ، وأن المعصية لا تخرجه من دينه ؛ لأن المعصية ، لم يرتكبها تدينا بها ، ولكن لغلبة شهوة أو غضب عليه ، وأما الكفر والإيمان فإنه يأتي بهما المرء اختيارا ويتدين بالكفر والإيمان ؛ لما عنده أنه حق ، وفي هذه الآية دلالة « 3 » أنه ليس بين الكفر والإيمان منزلة ثالثة ، وليس كما قالت المعتزلة : إن صاحب الكبيرة بين منزلتين بين الكفر والإيمان ، والله تعالى قسم الناس [ صنفين ] « 4 » : فمنهم من خلقه كافرا ، ومنهم من خلقه مؤمنا ، ولم يجعل فيما بينهما منزلة ثالثة ، فلا يجب أن نجعل ، والله الموفق . وفيه أيضا وجه لطيف سوى ما ذكرنا ، وهو أن كل أحد في الدنيا مؤمن وكافر في الحقيقة ؛ لأن من كان مؤمنا بالله فهو كافر بالطاغوت ، ومن كان كافرا بالله فهو مؤمن بالطاغوت ، وإذا كان كذلك ، وجب أن يبحث عن معنى قوله : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ومعناه عندنا : أن الحقيقة وإن كانت كذلك فالإيمان إذا ذكر مطلقا لم يفهم منه إلا الإيمان بالله تعالى ، والكفر إذا أطلق أيضا لم يفهم منه إلا الكفر بالله تعالى ، وإذا كان كذلك ، جاز أن يكون لفظ الكتاب خارجا على ما عليه المعهود من المتعارف المعتاد ، والله أعلم . وقوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ في الأزل بما يعمله العباد ، وأنه « 5 » ليس كما قال بعض الناس : ألا يعلم فعل العبد إلا وقت فعله ، واحتجوا في ذلك أنا لو قلنا إن الله تعالى بصير في الأزل بما نفعله ، لكان قولا بما لا يستقيم في المعقول ؛ ألا ترى أنا لا نرى في الشاهد من يبني بناء يعلم أنه يضره أو يشتري عبدا يعلم أنه يعاديه ، فكذا لا يستقيم أن يقال [ إن الله ] « 6 » تعالى خلق عبدا قد كان يعلم من قبل أنه إذا خلقه عاداه .

--> ( 1 ) في ب : به نفسه . ( 2 ) في أ : الإيمان . ( 3 ) في ب : دليل . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في أ : والله . ( 6 ) في أ : أنه .