أبي منصور الماتريدي

308

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والعناد : هو مخالفة الحق عن علم بظهور الحق ؛ فيكون قوله : إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً : أنه بعد علم وإحاطة ويقين عاند آيات الله ، وخالف أمر رسوله ، واستكبر . والمكابر هو الذي يكابر عقله ، فيخالف ما يثبته عقله بالأقوال أو « 1 » بالأفعال . ثم في قوله - عزّ وجل - : ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ . كَلَّا إبطال قول من قال : إن الله تعالى لا يفعل بعباده إلا ما هو الأصلح لهم ؛ لأن قوله : أَنْ أَزِيدَ لا يخلو إما أن تكون الزيادة التي كان يطمعها خيرا له ، وفي شرط الله - تعالى - عندهم أن يزيده ، وفي قوله : كَلَّا قطع طمعه للزيادة ؛ فيصير بحرمان الزيادة عنه جائرا ؛ فكيف حصل آية رسالته من الوجه الذي هو جور « 2 » عندكم . وإن كان حرمان الزيادة خيرا له وأصلح ؛ فكيف جعل الحرمان - أيضا - علما لنبوته ، وكان عليه أن يحرمه على زعمكم . وفي قراءة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - : ثم يطمع أن يزيد . وقوله - عزّ وجل - : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً : جائز أن يكون على تحقيق الصعود ، وهو العقبة التي يشتد الصعود عليها ؛ كما ذكره بعض أهل التأويل ، فيكلف الصعود عليها « 3 » . وجائز أن يكون على التمثيل ؛ وذلك لأن الصعود في الشاهد مما يشق على المرء ، والهبوط مما يسهل على المرء الانحدار عنه . فإن كان على هذا ، ففيه أنه يصيبه في الآخرة مما يشتد ويشق على نفسه تحمل ذلك . ثم يقال للمعتزلة في هذه الآية وفي قوله : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ : إن في هذا وعيدا من الله تعالى بأن يصليه سقر ، وسيرهقه صعودا ، فأراد الله تعالى أن يصدق خبره ، وينجز وعده ، أو أراد أن يكذب خبره ، ويخالف وعده ؟ فإن قلتم بالثاني ، فقد نسبتموه إلى الكذب ، وإلى خلف الوعد ؛ ومن هذا وصفه فهو سفيه جاهل ، لا يصلح أن يكون إلها . وإن قلتم : بلى ، أراد أن يصدق خبره ، وينجز وعده ، قلنا لكم : أراد أن ينجز وعده مع دوامهم على الكفر ، أو عند انقلاعهم عنه ؟ فإن زعمتم أنه إنما أراد أن يصليهم سقر على الخروج من الكفر ، فهذا منه جور ؛ لأنه

--> ( 1 ) في أ : و . ( 2 ) في ب : يجوز . ( 3 ) في ب : عليه .