أبي منصور الماتريدي
302
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [ سبأ : 5 ] ، فالمأثم اسم لما تتأذى به « 1 » النفس ، فهو اسم للأمرين : [ العذاب وما تتألم به ] « 2 » جميعا . وصرف أهل التأويل الرجز إلى المأثم هاهنا . وذكر قتادة أنه كان بمكة صنمان : إساف ، ونائلة ، فكان من أتى عليهما من المشركين مسح وجوههما ، فأمر الله - عزّ وجل - نبيه صلّى اللّه عليه وسلم أن يعتزلهما بقوله : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ « 3 » . وقيل - أيضا - : بأن المشركين قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : لو مسحت وجوههما ، لكنا نؤمن لك ونتبعك ؛ فأنزل الله تعالى : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ، أي : فاهجر عبادة الأوثان . وقيل : الرجز : العذاب . فجملته ترجع إلى ما ذكرنا : أنه اسم للعذاب ، ولما يعذب عليه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ : قال مجاهد والحسن : تأويله : ألا تستكثر عملك ، فتمن به على ربك « 4 » ؛ على التقديم والتأخير . فإن كان التأويل هذا ، فالمراد من الخطاب غير رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وإن كان هو المذكور في الخطاب ؛ إذ لا يتوهم أن يكون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يمن على ربه ، ولا أن يستكثر عمله لله تعالى ؛ لأن هذا النوع من الصنيع لا يفعله واحد من العوام الذي خصّ بأدنى خير ؛ فكيف يتوهم على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ؟ ! ولأن الامتنان على الله تعالى من فعل المنافقين ؛ قال الله تعالى : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ [ الحجرات : 17 ] . ويجوز أن يكون الخطاب له ، وإن كان هو معصوما من ذلك ؛ لقوله : وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [ القصص : 88 ] ، ونحوه ، وهذا كما ذكرنا أن العصمة لا تمنع وقوع النهي ؛ إذ العصمة [ لا ] « 5 » ينتفع بها [ إلا ] مع ثبات النهي ، فإذا لم يكن فلا فائدة في العصمة . وقال بعضهم « 6 » : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ، أي : لا تعطيه عطية تلتمس بها أفضل منها في
--> ( 1 ) في ب : بها . ( 2 ) في ب : والعذاب مما نتألم به . ( 3 ) أخرجه ابن جرير عنه ( 35341 ) . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 35363 ، 35365 ) عن الحسن ، وأخرجه عبد بن حميد ، وابن المنذر عن مجاهد كما في الدر المنثور ( 6 / 452 ) . ( 5 ) سقط في ب . ( 6 ) قاله ابن عباس ( 35346 ) ، وابن مردويه ، والطبراني من طرق عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 452 ) .