أبي منصور الماتريدي
3
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
المجلد العاشر سورة الجمعة وهي كلها مدنية بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله تعالى : [ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 1 ) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 2 ) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 3 ) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 4 ) قوله - عزّ وجل - : يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ . قال : يُسَبِّحُ لِلَّهِ ، ولم يقل : يسبح اللّه ، وقد جرت العادة في الناس التسبيح بالإله ؛ كقولهم : سبحان اللّه ، وسبحان ربي العظيم ، فكان حق هذا القول على ما جرت به العادة في اللسان أن يقول : يسبح اللّه ما في السماوات وما في الأرض ، ولكنه يجوز أن يكون هذا من نوع ما يجري فيه اللفظان جميعا ؛ كما يقال : شكره وشكر له ، ونصحه ونصح له . والتسبيح يحتمل أوجها ثلاثة : أحدها : تسبيح الخلقة : أنك إذا نظرت إلى كل شيء على الإشارة إليه والتعيين ، دلك جوهره وخلقته على وحدانية اللّه تعالى ، وعلى تعاليه عن الأشباه وبراءته عن جميع العيوب والآفات ؛ فذلك من كل شيء تسبيحه . والثاني : تسبيح المعرفة ، ووجه ذلك : أن يجعل اللّه تعالى بلطفه في كل شيء حقيقة المعرفة ؛ ليعرف اللّه تعالى وينزهه ، وإن كان لا يبلغه عقولنا ؛ ألا ترى إلى قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] . ولكن عندنا بواسطة إحداث نوع حياة فيه ؛ إذ المعرفة بدون الحياة لا تتحقق . والوجه الثالث : هو أن يكون التسبيح تسبيح ضرورة وتلقين ، ووجهه : أن اللّه تعالى يجري التسبيح على ذلك الجوهر من غير أن يكون له حقيقة المعرفة ، كما أظهر من آياته وأعلامه على عصا موسى ، وكما أجرى السفينة على وجه الماء ، وإن لم يكن لها حقيقة المعرفة ؛ وذلك تسبيح كل شيء ، واللّه أعلم . وقوله : الْمَلِكِ . يعني : الملك الذي له ملك الملوك ، أو الذي له الملك في الحقيقة . وقوله - عزّ وجل - : الْقُدُّوسِ ، له تأويلان : أحدهما : الطاهر من كل عيب وآفة وحاجة ، أو الطاهر مما يحتمله غيره .