أبي منصور الماتريدي
289
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الذي وجد من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فجائز أن يكون وجد منه [ ذلك كله ، وهو أن يكون قريبا من الثلثين ، وقريبا من النصف ، وأدنى من الثلث ؛ على ما ذكره أهل المقالة الأولى ، ويكون قد قام ] « 1 » أدنى من ثلثي الليل ، وقام نصفه وثلثه ، وأدنى من نصفه وأدنى من ثلثه ، فذكر في الثلثين الأدنى ؛ لما وجد منه الأدنى من جهة الزيادة والنقصان ، ولم يوجد موافقة الثلثين ، وأخبر بالنصف والثلث بالأمرين جميعا ؛ لوجود الموافقة ، وهو أن يكون قام نصف الليل ، وقام ثلثه ، وقام أدنى من النصف ، وأدنى من الثلث ، وإذا كان هذا كله محتملا ، لم يجز أن يدفع أحد الوجهين ، ويتمسك بالوجه الآخر ؛ وهذا كقوله تعالى : قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ [ الإسراء : 102 ] ، فقرئ برفع التاء ونصبه جميعا ؛ لما وجد الأمران جميعا ، وهو أن يكون موسى - عليه السلام - وفرعون علما بها أي : بالآيات جميعا . وكذلك قال في سورة سبأ : رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [ 19 ] ، وقرئ : ربنا باعد بين أسفارنا ؛ لوجود الأمرين جميعا وهو الدعاء والإجابة ؛ فقوله - عزّ وجل - : رَبَّنا باعِدْ دعاء ، وقوله رَبَّنا باعِدْ على الإجابة ، ففرق بينهما بالإعراب ؛ فكذلك هاهنا لما استقام وجود الوجهين من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، استقام أن يقرأ بالنصب والخفض جميعا ، ويفرق بينهما بالإعراب ، والله أعلم . ثم يجوز أن يكون المفروض من القيام قدر ثلث الليل ، ويكون الزيادة بحكم النافلة . ويجوز أن يكون كله مفروضا ، وإن طال ، وزاد على الثلث والنصف والثلثين ، وإن كان يجوز له الاقتصار على ثلث الليل ؛ ألا ترى أن فرض الركوع والسجود يقضى بإدراك جزء منه ، وكذلك فرض القيام [ يقضى ] بالجزء منه ، ثم إن الركوع وإن طال فهو من أوله إلى آخره فرض حتى لو أن داخلا شاركه في أول الركوع ، ثم رفع رأسه ، وشاركه ثالث في آخر ركوعه ، ثم رفع رأسه مع الإمام ، صار كل واحد منهم مدركا لفرض الركوع ، وإن كان الإمام لو اقتصر على جزء منه ، كفاه ذلك عن فرضه ؛ فكذلك الفرض لما انصرف إلى قيام الليل فصار جميع ما يؤتى من القيام في الليل وإن طال فرضا ، وإن كان قد يجوز الاجتزاء ببعضه « 2 » . وقوله - عزّ وجل - : وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ : في هذه الآية ، وفي قوله - عزّ وجل - : فَتابَ عَلَيْكُمْ - دليل على أن فرض القيام كان على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وعلى من تبعه من المؤمنين ، وإن كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم هو المخصوص
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : بنقصه .