أبي منصور الماتريدي
286
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يسمى الوابل . وقال أبو بكر : اسم لكل معضلة . وقوله - عزّ وجل - : فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً ، فهو يحتمل أوجها : أحدها : أي : كيف تتقون النار في الآخرة إذا سلكتم في الدنيا سبيلها - وهو الكفر - وأنتم تعلمون أن من سلك طريقا لشيء ولا منفذ لذلك الطريق إلا إلى ذلك الشيء ؛ فإنه يرد عليه لا محالة . أو كيف تتقون النار في الآخرة ، وقد تركتم القيام بما عليكم من شكر النعم . أو كيف تتقون العذاب في الآخرة وأنتم تدفعون إليها ، وتضطرون بقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ [ لقمان : 24 ] ، وبقوله : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ [ القمر : 48 ] ، وبقوله : خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ [ الدخان : 47 ] ، وقد مكنتم في الدنيا من الإيمان بالله تعالى ، ومكنتم من الانتهاء عن الكفر ، ثم لم تنقلعوا عنه ، فأنى يتهيأ لكم المخلص من عذابه ، وأنتم تدفعون إليه . أو كيف تنتفعون بإيمانكم في الآخرة ، ولم تؤمنوا في الدنيا ، وقد مكنتم به . والأصل أن دار الآخرة ليست بدار لاستحداث الأسباب ، وإنما هي دار وقوع المسببات ؛ فهم إذا لم يستحدثوا الأسباب التي جعلت لدفع العذاب في الدنيا ، لم يمكنوا من استحداثها في الآخرة فينتفعوا بها ، ولم يكونوا أهلا لوقوع المسببات ؛ لما لم يستحدثوا الأسباب في الدنيا ، وإنما قلنا : إنها ليست بدار محنة وابتلاء ؛ لأن المحنة ؛ لاستظهار الخفيات ، والثواب والعقاب قد شوهد وعوين ؛ فإذا قيل : إذا فعلت كذا ، دخلت « 1 » النار وهو يعاين النار ، ويراها ، فهو يمتنع عن الإقدام على ذلك الفعل ، وإذا قيل له : إذا آمنت بالله تعالى أكرمت بالجنة ، وهو يشاهد الجنة ، ويراها ، فهو يؤمن لا محالة ؛ فلا وجه للابتلاء في الآخرة ؛ بل هي دار وقوع المسببات يعني : الثواب والعقاب ؛ والذي يدل على هذا قوله : يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً ، فأخبر أنهم يشيبون لا بسبب « 2 » المشيب ، والمشيب في الدنيا لا يوجد إلا بعد وجود سببه ، وهو الكبر ليعلم أن الدار الآخرة ليست بدار استحداث الأسباب ؛ فما يستحدثون من الإيمان بالله تعالى لا ينفعهم في ذلك اليوم ، ولا يقيهم من عذاب الله تعالى .
--> ( 1 ) في ب : ودخلت . ( 2 ) في ب : بشيب .