أبي منصور الماتريدي

284

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

بالله تعالى ، وعلم الغيب من أعظم آيات رسالته . وقوله - عزّ وجل - : وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً فالذي يغص ، ولا يقدر على ابتلاعه ليس بطعام في الحقيقة ، وقال : لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ [ يونس : 4 ] والحميم ليس بشراب في التحقيق ؛ ولكن سمي الأول : طعاما ؛ لأنه يمضغ مضغ الطعام ، والصديد والحميم يسيلان سيل الشراب ، فذكر في الأول طعاما ، وفي الثاني شرابا لهذا . ولأن الطعام اسم لما يطعم ؛ فهو مطعوم ، وإن كان كريها ، والحميم مشروب وإن كان في نفسه كريها . ثم الأصل أن الكفرة بكفرهم تركوا شكر نعم الله - تعالى ذكره - وقابلوها بالكفران ؛ فأبدل الله تعالى لهم في الآخرة مكان كل نعمة نقمة ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا [ الإسراء : 97 ] ، فأبدلهم مكان البصر عمى ، ومكان السمع صمما ؛ لتركهم شكر ما أنعموا من البصر والسمع واللسان ، وأبدلهم مكان اللباس قطرانا ، ومكان المراكب : السحب إلى النار على أقدامهم ووجوههم ؛ فكذلك أبدلهم مكان الطعام والشراب زقوما وحميما ؛ لتركهم شكر نعم الله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا . قد ذكرنا الرجفة في غير موضع . وقوله : كَثِيباً مَهِيلًا ، أي : رملا سائلا ؛ ففيه إخبار عن شدة هول ذلك اليوم ؛ لأن الجبال من أصلب الأشياء وأشدها في أنفسها ، ثم يبلغ هول ذلك اليوم مبلغا لا يحتمله الجبال مع شدتها وصلابتها ، فالإنسان « 1 » الضعيف المهين أنى يقوم لشدته وهوله ؟ فذكرهم حال ذلك اليوم ؛ ليرتدعوا ، وينتهوا عما هم عليه في التكذيب والضلال . قوله تعالى : [ سورة المزمل ( 73 ) : الآيات 15 إلى 19 ] إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ( 15 ) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً ( 16 ) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً ( 17 ) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ( 18 ) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 19 ) وقوله - عزّ وجل - : إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا . قوله : شاهِداً عَلَيْكُمْ قال أبو بكر الأصم : تأويله : مبينا لكم ما لله تعالى عليكم من الحق . وجائز أن يكون شاهِداً عَلَيْكُمْ ، أي : لكم وعليكم جميعا ؛ فيكون على الكفرة شاهدا بقوله : وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ [ النحل : 89 ] ، ويكون للمؤمنين شاهدا ، وقد

--> ( 1 ) في أ : فإن الإنسان .