أبي منصور الماتريدي

279

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وليه الصفي ، ولم يكن يعاملهم بما يعامل به الأعداء ؛ لأنه كان يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم وشرفهم في أمر دنياهم وآخرتهم ، ومن عامل آخر معاملة أقرب الأصفياء معه ، كان الحق عليهم أن يجازوه بالإحسان ؛ فإذا تركوا ذلك ، وقابلوه بالتكذيب ، اشتد عليه ، وحزن لذلك . ثم في قوله : وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ، وفي قوله : وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [ الأحقاف : 35 ] إبطال قول من قال : إن الله تعالى لا يفعل بعبده إلا ما هو أصلح له ؛ لأنا نعلم أنه إذا أذن لنبي من الأنبياء بالدعاء على استعجال الهلاك ، واستجيب [ له ] فيما دعا ، كان فيه ما يحمل القوم على الإيمان ، ويردعهم عن التكذيب ؛ لأنهم يخافون حلول النقمة عليهم ؛ فيتركون التكذيب ، ويقبلون على الإجابة ؛ فيكون فيه نجاتهم عن الهلاك ، وشرفهم في أمر دنياهم وآخرتهم ، فإذا لم يؤذن « 1 » دل أنه ليس من شرط الله تعالى أن يفعل بعباده ما هو أصلح لهم . فإن قيل : كيف لم يؤذن بالدعاء عليهم ؛ ليحملهم ذلك على الإسلام ، ويمنعهم عن التكذيب ؟ قيل له : لأن فيما ذكرته رفع المحنة والابتلاء ؛ لأن الحجة إذ ذاك تقع من جهة الضرورة ؛ لأنهم إذا علموا أنهم يستأصلون بالتكذيب ، امتنعوا عنه ، وأجابوا إلى الإسلام كرها ؛ فتصير الحجج اضطرارية ، لا تمييزية واختيارية ، وحجج الرسل - عليهم السلام - اختيارية ، لا ضرورية ؛ لما ذكرنا أنها لو جعلت اضطرارية ، لارتفعت المحنة ؛ فجعلت حججهم من وجه يقع بها الشبه ؛ ليوصل إلى معرفتها بالفكر ؛ لئلا ترتفع المحنة . فإن قال قائل : إن أبا حنيفة - رحمه الله - ذكر في كتاب العالم والمتعلم : أن إيمان الملائكة وإيمان الرسل وإيماننا واحد ، ثم قال : فإذا استوينا نحن والرسل في الإيمان ، فكيف صار الثواب لهم أكمل ، وخوفهم « 2 » من الله أشد ؟ فأجاب عن هذا السؤال بأجوبة ، وقال في جملة ما أجاب : إنهم لو ارتكبوا الزلات يحل بهم العقاب عقيب الزلل ؛ فصار خوفهم بالله تعالى ألزم من هذه الجهة . ولسائل أن يسأل على هذا ، فيقول : فإذن إيمانهم بالله تعالى ، وتركهم المعاصي ضروري لا اختياري ؟ ! فيجاب عنه بأن يقال بأن الأنبياء - عليهم السلام - لم يبيّن لهم العصمة ، بل كانوا على خوف من وقوعهم في المهالك ؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم - عليه السلام - : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [ إبراهيم : 35 ] ، ولو كانت العصمة له ظاهرة ، لكان يستغني عن السؤال .

--> ( 1 ) في ب : يؤذنوا . ( 2 ) في ب : وخوفه .