أبي منصور الماتريدي
277
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
في [ التدبر في ] « 1 » أمر السماء والأرض تحقيق ذلك . وفي قوله - عزّ وجل - : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، أي : الذي أمرت بذكره هو رب المشرق والمغرب ، وفيه تعريف الوجه الذي يوصل إلى معرفة ربوبيته . وقوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، أي : لا معبود يستحق العبادة إلا هو ؛ لأن الذي يحمل الإنسان على عبادة المعبود الخوف والرجاء ، وإذا عرفهم بذكر المشرق والمغرب أن تدبير الخلائق كلها راجع إليه ، وأنه هو القاهر عليهم والقادر [ عليهم ] « 2 » ، وبيده الخزائن والمنافع أجمع ، علموا أنه هو الإله الحق ، والرب القاهر ، وأن من سواه مربوب مقهور ، لا يملك نفعا ولا ضرّا ، فكيف يستوجب العبادة والإلهية ؟ ! . وقوله - عزّ وجل - : فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا : جائز أن يكون أراد به أن كل أمورك كلها إلى الله تعالى حتى يكون هو الذي يدبر ويحكم ، ولا تر لنفسك فيها تدبيرا . والوكيل في الشاهد هو الذي يدخل في أمر آخر على جهة التبرع ؛ لينصره فيه ، ويعينه ؛ فيكون قوله : فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ، أي : اطلب من عنده النصر والمعونة ، والمرء في الشاهد إنما يفزع إلى الوكيل ؛ ليزيح [ عن نفسه ] « 3 » علله ، ويقضي عنه حوائجه ، ويقوم عنه في النوائب ؛ فكأنه يقول : افزع إلى الله تعالى في نوائبك ؛ فيكون هو الذي يزيح عنك العلل ، ويقضي عنك الحوائج ، ويكون معتمدك في النوائب ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ قال أهل التفسير : تأويله : اصبر على تكذيبهم إياك ؛ ألا ترى إلى قوله في سياق الآية : وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ، فثبت أنه دعي إلى الصبر على التكذيب . وجائز أن يكون منصرفا إلى هذا وإلى غيره ؛ لأنهم كانوا لا يقتصرون على تكذيبه ، بل كانوا ينسبونه إلى الكذب مرة ، وإلى السحر ثانيا ، وإلى الجنون ثالثا ، وإلى أنه يتيم رابعا ؛ فكانوا يؤذونه بأنواع الأذى ؛ فجائز أن يكون قوله : وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ منصرفا إلى كل ذلك . ثم الأمر بالصبر يقع بخصال ثلاث : أحدها : ألا تجازهم على تكذيبهم إياك تكذيبك إياهم ، أو لا تجزع عليهم ، وفي
--> ( 1 ) في أ : التدبير . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : عنه .