أبي منصور الماتريدي
272
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ويتوسعوا به في أمر دنياهم من غير حجة لهم في ذلك . وبهذا الفصل الذي ذكرنا يحتج على الثنوية ؛ فإن من مذهبهم تحريم القتل والذبح ، وأحق من يرى القتل والذبح مباحين هم ؛ لأن من مذهبهم : أن العالم إنما هو بامتزاج النور والظلمة ، فما من جزء من أجزاء النور إلا هو مشوب بجزء من أجزاء الظلمة ، وكانا متباينين ، فغلبت الظلمة على النور ، فامتزجت به ؛ فصارت الظلمة حابسة « 1 » للنور ، ومعلوم أن « 2 » في القتل تخليص أجزاء النوراني من [ حبس الظلمات ] « 3 » ؛ لأن في القتل إزالة السمع والبصر والعقل ، ومعلوم أن السمع « 4 » والبصر في هذه الأشياء ، إذ بها رؤية الأنوار ، فإذا امتازت هذه الأشياء من الجسد ، وبقي الجسد الظلماني لا يبصر شيئا ، فقد وصل جوهر النور إلى غرضه ومقصوده بالقتل ، وصار إلى مقره ، فإذا كان القتل يوصله إلى غرضه ويخلصه عن وثاق الظلمة وحبسه ، فقد أحسن القاتل إليه بالقتل والذبح ؛ فلا يجيء أن يجرّم القتل على مذهبهم : بل يجب أن يمدح المرء على ذلك الفعل ، ويستصوب « 5 » ذلك منه . وقال القتبي : القول الثقيل كلام الله تعالى ، وثقله : هو تبجيله وتعظيم حرمته ، ليس كلام السفهاء الذي لا يكترث به ، ولا يؤبه له « 6 » . وقال الزجاج : الثقيل : الوزين ، [ أي ] « 7 » : الذي له وزن وقدر في القلوب ، الذي يجب أن يعظم ويوقر ، ليس بالقول الذي يستصغر . وجائز أن يكون القول الثقيل [ هو ] « 8 » الحق ؛ على ما روي في بعض الأخبار : « إن الحق ثقيل مر ، والباطل خفيف وفر » . وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال : « حق لميزان لا يوضع فيه إلا الخير أن يثقل ، وحق لميزان لا يوضع « 9 » فيه إلا الباطل أن يخف » ؛ فيكون ثقله العمل بما فيه .
--> ( 1 ) في أ : ملابسة . ( 2 ) في ب : بأن . ( 3 ) في ب : أجزاء الظلمات . ( 4 ) في أ : النور . ( 5 ) في ب : واستصوب . ( 6 ) في ب : به . ( 7 ) سقط في ب . ( 8 ) سقط في ب . ( 9 ) في أ : يوزن .