أبي منصور الماتريدي
257
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
طريقة الحق ، ويؤمنوا ، لم يحكم على طريق الأبد في حق الكل ، بل حكمه أن يستقيم عليها البعض إلى مدة ، ثم يترك ، ويبدل الحق بالباطل ويدوم البعض عليها ؛ تحقيقا لما ذكرنا من الحكمة ؛ وهو كقوله تعالى : لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [ آل عمران : 154 ] ، أي : لو لم نفرض عليهم الجهاد والخروج إلى القتال ، لبرز الذين [ منتهى آجالهم القتل ] « 1 » إلى حوائج أنفسهم ، فيقتلون ، بيانا منه لحكمه الذي يحكم أنه لو حكم كيف كان ؛ فكذا هذا . وأما من قال : معناه : طريقة الكفر ، فهو أن يكون المراد من الاستقامة هاهنا : الإقامة ، ولفظة « الإقامة » يعبر بها عن الإقامة على الكفر والإسلام جميعا ، وتكون الطَّرِيقَةِ هاهنا إشارة إلى الطريقة التي كانوا عرفوها قبل الإسلام وهي الكفر ، وإن كانت الطريقة إذا أطلق ذكرها ، أريد بها طريقة الهدى ؛ لأن طريقة الكفر هي التي كانت معروفة فيما بينهم ، وكذلك ذكر أهل التأويل : أن الطريقة [ هاهنا طريقة الكفر ] « 2 » فقوله : لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ، أي : وسعنا عليهم ، وكثرنا أموالهم ؛ ليعلموا جود ربهم ؛ حيث بسط عليهم الرزق مع اختيارهم عداوته ؛ كما بسط الرزق على أوليائه ، وليعلموا أن حلمه يجاوز الحد حيث لم يؤاخذهم بذنوبهم ولم يعجل بإنزال النقمة ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ فالفتنة : المحنة التي فيها الشدة ، فإن كان هذا في أهل الكفر ، ففي بسط الرزق عليهم محنة شديدة ؛ لأن ذلك يمنعهم عن الخضوع والانقياد لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لما يروا من الفضل على من دونهم في المال والسعة ؛ ألا ترى إلى قوله : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ [ سبأ : 34 ] وكذلك قال : وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها [ الأنعام : 123 ] . وإن كان التأويل منصرفا إلى أهل الإسلام ، ففي التوسيع عليهم محنة شديدة ؛ وكذلك جميع ما امتحنا به فيه شدة ، قال الله تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] فما من حال تعترض الإنسان إلا وله فيها شدة . وقوله - عزّ وجل - : وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ : جائز أن يكون : ومن يعرض عن طاعة ربه وعبادته ، أو يعرض عن توحيده ، أو يعرض عن القرآن ؛ إذ هو ذكر . والإعراض هاهنا عبارة عن الإيثار والاختيار ، أي : من يختار ذكر غير الله تعالى على ذكره ، أو طاعة غيره على طاعته . وقوله - عزّ وجل - : يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً ، وقال في موضع آخر : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً
--> ( 1 ) في أ : كتب عليهم القتل منتهى آجالهم . ( 2 ) سقط في ب .