أبي منصور الماتريدي
254
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يعاملنا بالإفضال والإنعام . وعلى قول المعتزلة من ارتكب كبيرة ، ردت عليه حسناته ، وصار عدوّا لله تعالى ، وخلد في النار أبد الآبدين ، والله يقول : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها [ النساء : 40 ] ، وأولى الحسنات التي يستوجب عليها المضاعفة هو الإيمان بالله تعالى ، فلا يجوز أن يخلد في النار ، ويذهب عنه منفعة الإيمان ، تعالى الله عما يقولون « 1 » علوّا كبيرا . ثم قوله : بَخْساً وَلا رَهَقاً يحتمل وجهين : أحدهما : البخس : النقصان ، أي : لا ينقص من حسناته ، والرهق : الظلم ؛ كقوله تعالى : فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً [ طه : 112 ] ، وأن يحمل عليه من سيئات ارتكبها غيره . والثاني : فَلا يَخافُ بَخْساً ، أي : ألا تقبل حسناته إذا تاب ، وَلا رَهَقاً أي : ظلم ؛ فلا يحسب له من حسناته شيئا . وقوله - عزّ وجل - : وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ القاسط : الجائر والمقسط : العادل . ثم في العدل ثلاث لغات ؛ يقال عدل عنه : إذا مال وجار « 2 » . وعدل به : إذا جعل له شريكا وعديلا . وعدل فيه : إذا حكم بالعدل . وقوله - عزّ وجل - : فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً : التحري والتوخي هو القصد ؛ فكأنه يقول : قصد « 3 » الرشد بالإسلام . وقوله - عزّ وجل - : وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً . قال أبو بكر الأصم : دلت الآية على أن للجن لحما ودما كما للإنس « 4 » ؛ [ لأنه ] « 5 » قال في الإنس : وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [ البقرة : 24 ] ، فلو لم يكونوا لحما ودما ، لم يصيروا لجهنم حطبا . ولكن هذا لا يدل ؛ لأن اللحم من شأنه أن يحترق وينضج ، ولا يصلح أن يكون وقودا ، ولكن الله تعالى باللطف ، صير لحمان الإنس وقودا ، ليس أن صار حطبا بما كان
--> ( 1 ) في ب : يقول الظالمون . ( 2 ) زاد في ب : إذا لذلك . ( 3 ) زاد في ب : أي قصد . ( 4 ) في أ : كالإنس . ( 5 ) سقط في ب .