أبي منصور الماتريدي
25
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أحدهما : أنهم رأوا ذلك حقّا لهم على الله تعالى . أو يروا أن الله تعالى آتاهم ذلك ؛ تفضيلا لهم على غيرهم ، فكانوا يتكبرون ويستعظمون على غيرهم ، ويستخفون برسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لذلك الوجه ، ولم يتأملوا ولم يتفكروا فيتبين لهم أن الله تعالى آتاهم جميع تلك النعم محنة عليهم ، تعبدهم بأداء شكرها وتعظيم حقها ، وذلك معنى لا يَفْقَهُونَ أي : لا يستعملون النظر في هذه النعم ، وذلك أنه لو لم يكن رسول الله ، كان يلزمهم أن يتأملوا فيما أوتوا من النعم وينظروا ، فإذا تفكروا في ذلك ، ولم يجدوا لهم عند الله صنعا استوجبوا به عنده مكافأة لذلك ، ولا لهم فضل يفضلهم الله به على غيرهم ؛ فكان يتبين لهم أن الله تعالى إنما أعطاهم هذه النعم محنة ؛ ليتعبدهم بأداء شكرها ؛ ولذلك وقع الفصل فيما بين العلم والفقه : أن ما كان حقه التأمل والنظر ، فحق اللفظ فيه أن يقال : يفقهون ، ولا يفقهون ، وما كان حق العلم به السماع والخبر ، أطلق فيه لفظ ( العلم ) ؛ ولذلك قال عند العزة والغلبة والنصر : لا يَعْلَمُونَ ؛ لأنهم لم يكونوا يعلمون النصر والغلبة لو لم يكن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم . وقوله : وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ، له وجهان : أحدهما : رأيتهم يصدون عن طاعتك واتباعك . والثاني : يصدون ضعفتهم عن اتباعك . وقوله : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ؛ لأنهم لم يعدوا ذلك زلة وذنبا ؛ لأنه كان عندهم أنهم على الحق . والثاني : ما قلنا : إنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة ، والمغفرة إنما تطلب من الله ، ويتحقق ذلك في الآخرة . وقوله : لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ . على ذلك أيضا أنه لا يغفر استغفرت أم لم تستغفر . قال - رحمه الله - : ورسول الله - عليه السلام - كان لا يستغفر للمنافقين بعد ما ظهر عنده نفاقهم ، ولكنه يجوز أن يكون هذا قبل ظهور نفاقهم ، والله أعلم . ثم قوله : لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ يحتمل وجهين : أحدهما : يقول : لن يغفر الله لهم ما داموا على النفاق ، ولم يتوبوا عنه . والثاني : أن يقول : لن يغفر لهم في قوم علم الله منهم : أنهم لا يؤمنون أبدا ، فقال في أولئك : لن يغفر الله لهم ؛ وكذلك هذا في قوله : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ البقرة : 6 ] .