أبي منصور الماتريدي

239

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ثم فيما حكى الله تعالى عن الجن من تصديقهم هذا الكتاب واستماعهم ما جرى من المخاطبات فيما بينهم - فوائد : إحداها : أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن والإنس حتى صرف الجن إلى الاستماع إليه . وفيه أنهم لما أخذوا القرآن من لسانه قاموا « 1 » فيما بين القوم بإنذارهم ، وأعانوه في التبليغ على ما أخبر - عزّ وجل - فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [ الأحقاف : 29 ] . وفيه أن أولئك النفر تسارعوا إلى الإجابة لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فيكون فيه تسفيه قوم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم الذين نشأ بين أظهرهم ؛ لأنهم عرفوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم [ فيما بينهم ] « 2 » بالصيانة والعدالة ، ولم يقفوا منه على كذب قط ، وحق من يعرف بالصدق إن لم يصدق ألا « 3 » يتسارع إلى تكذيبه فيما يأتي [ به ] من الأنباء ، بل يوقف في حاله إلى أن يتبين منه ما يظهر كذبه ، وقومه استقبلوه بالتكذيب ، ولم يعاملوه « 4 » معاملة من كان معروفا بالصدق والصيانة ، والجن الذين صدقوه ، لم يكونوا عارفين بأحواله فيما قبل أنه صدوق ، أو ممن يرتاب في خبره ، ثم تسارعوا إلى تصديقه ؛ لما لاحت لهم الحجة وثبتت عندهم آية الرسالة وعاملوه « 5 » معاملة من قد عرف بالصدق ؛ فدل أنهم كانوا في غاية من السفه . وفيه - أيضا - دلالة رسالته صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لأن قوله تعالى : فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ . . . إلى آخر القصة فيما بينهم - إخبار عن علم الغيب وهذا لا يعرف إلا بمن عنده علم الغيب ؛ فثبت أنه بالله تعالى علم . ثم يجوز أن يكون الذي حملهم على الإيمان به ما عرفوا أنه أتى بالمعجز الذي يعجز الخلق عن الإتيان بمثله ، وبما وقفوا على إحكام معانيه وحسن تأليفه ونظمه . وفيه أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم يشعر بمجيئهم حتى أوحي إليه أنه قد أتاه نفر من الجن ، واستمعوا إلى ما أوحي إليه ؛ فيكون فيه دلالة على فساد قول الباطنية ؛ حيث يزعمون أن [ رسول الله ] « 6 » صلّى اللّه عليه وسلم قبل الوحي بالجسد الروحاني ؛ لأنه لو كان كما وصفوا ، لرأى الجن عندما حضروا إليه ؛ إذ الجسد الروحاني مما يبصر الجن ، ولم يكن يوحى إليه ، فيعرف أن

--> ( 1 ) في أ : قالوا . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : لا . ( 4 ) في ب : يعاملوا معه . ( 5 ) في أ : وعاملوا معه . ( 6 ) في ب : النبي .