أبي منصور الماتريدي

232

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قوله تعالى : [ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 21 إلى 28 ] قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً ( 21 ) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ( 22 ) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ( 23 ) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً ( 24 ) مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً ( 25 ) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ( 26 ) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً ( 27 ) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً ( 28 ) وقوله - عزّ وجل - : قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ، أي : عصوني فيما أمرتهم به أو فيما دعوتهم إليه . وقوله - عزّ وجل - : وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً : يشبه أن يكون المتبوعون « 1 » هم الذين كثرت أموالهم وحواشيهم ، استتبعوا من دونهم « 2 » فيتبعوهم ولم يتبعوا نوحا عليه السلام ، وقد « 3 » كان نوح - عليه السلام - يدعوهم إلى اتباعه ، فأخبر أنهم لم يتبعوه ، وإنما اتبعوا من كثرت أمواله وأولاده وحواشيه ؛ فتكون هذه الآية في الأتباع أنهم اتبعوا أجلتهم ورؤساءهم ليس في رؤسائهم ، وما تقدم من الآيات في أجلتهم من دعاء نوح - عليه السلام - إياهم إلى التوحيد وغيره . ويحتمل أن تكون هذه الآية في الأجلة والضعفة جميعا ؛ فيكون قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا ، أي : اتبعوا من تقدمهم من أهل الثروة والغناء ، والذين وسعت عليهم الدنيا ، وبسطت لهم ؛ ظنّا منهم أنهم أحق بالله تعالى ، وأقرب إليه في المنزلة . والذي حملهم على هذا هو أنهم لا يرون أحدا في الشاهد يترك صلة وليه ويصل عدوه ، فيرون أنه إذا بسطت على رؤسائهم الدنيا ، [ و ] وسع الله تعالى عليهم ، وضيق على هؤلاء - أن أولئك أقرب منزلة وأعلى حالا ، وأنهم هم الأولياء ، وهم لا يؤمنون بالآخرة وثوابها ، فكانوا يزعمون أنه يوفر الجزاء على الأولياء والمحسنين في الدنيا ، وزعموا أن من وسع عليه الدنيا فهو أحق أن يكون وليا لله تعالى حيث وصل إليه الجزاء فيها ، فهذا الظن هو الذي حملهم على الاتباع .

--> ( 1 ) في ب : المبتدعون . ( 2 ) في ب : ذنوبهم . ( 3 ) في ب : فقد .