أبي منصور الماتريدي

225

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فيه ؛ لئلا يتكلم « 1 » ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا ، أي : داموا على ما هم عليه وثبتوا على كفرهم . وقال قتادة : وَأَصَرُّوا ، أي : صاحوا في وجوه الأنبياء - عليهم السلام - ردا عليهم ، أو مغالبة في الدعاء ؛ كقوله : وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [ فصلت : 26 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ، أي : استكبروا عن طاعة الله تعالى ، وامتنعوا عن الإجابة لرسوله عليه السلام . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ، ففي هذا إخبار أنه دعاهم إلى عبادة الله تعالى في كل وقت تهيأ له من ليل أو نهار ، ولم يقصر فيها ، ودعاهم في كل وقت ؛ رجاء الإجابة منهم . ويحتمل إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ، أي : إذا بعدوا مني ، وازدحموا وكثروا « 2 » ؛ فدعاهم جهارا ؛ لتعمهم الدعوة . وقوله - عزّ وجل - : وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً إذا قربوا منه وقلوا ، فلما أدخلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم أعلن في الدعاء . ثم جائز أن يكون الجهر والإسرار منصرفا إلى الدعوة ، ويكون الإعلان إعلانا بالحجج وإظهارا للبينات ، وإلى هذا يذهب أبو بكر الأصم . وقوله - عزّ وجل - : فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ، فالاستغفار طلب المغفرة بما ذكر من قوله عزّ وجل : اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [ نوح : 3 ] ؛ فيكون هذا منه أمرا لهم بإتيان الإيمان الذي هو سبب المغفرة ، لا أمرا بسؤال المغفرة نفسه من الله تعالى ؛ إذ استغفار كل قوم يرجع إلى أحوالهم ، فإذا كانوا كفرة ، فهو إيمان بالله تعالى ، وإن كانوا [ أصحاب ذنوب ] « 3 » ، فالتوبة إلى الله تعالى ، وإن كانوا مخلصين فمما سلف من ذنوبهم مما يعلمونها ، ونحو ذلك . وقوله - عزّ وجل - : يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ، فيحتمل أنما قال هذا لهم ؛ لأنهم كانوا في شدة عيش وضيق حال فوعد أنهم إن انتهوا عن الكفر ، وأجابوا إلى ما يدعوهم إليه ، غفر [ الله لهم ] « 4 » ذنوبهم ، وأرسل

--> ( 1 ) في أ : يتكلمه . ( 2 ) في أ : أثروا . ( 3 ) في أ : أصحابه . ( 4 ) في ب : بهم الله .